انه عام 2003، وطبول الحرب تدق بأعلى صوتها، فنسمع لدقها خوفا في النفوس، وقرعا عنيفا على أفكارنا المشوشة، ولعلها بضعة أسابيع تسبق سقوط النظام، كنت يومها اعمل في مجلة «ألف باء» على وفق نظام العقد ولكنني ممنوع من الكتابة بقرار رئاسي، وهي مفارقة ظريفة، فقد كان المفروض في المجلة أن تلغي عقدي، ولكن الموقف النبيل لأمير الحلو، رئيس التحرير حال من دون ذلك حيث أصر على بقائي في المجلة بدون عمل، وتسلم راتبي الشهري مقابل الحضور إلى الدوام، والتسكع بين الأقسام !! ربما كان الجزء الأعظم من تسكعي ووقتي الفائض، من نصيب زميلي وصديقي (غانم حسن)، مسؤول القسم الفني، كنا نشرب الشاي والقهوة غير مرة، ونتبادل شتى الأحاديث، حتى اذا خضنا في موضوعة الحرب التي اقتربت من الأبواب، وبتنا نشّم رائحتها، تحول حديثنا إلى ما يشبه الهمس، لان للجدران آذانا تسترق السمع ! كنت كما سبقت الإشارة، ممنوعا من الكتابة بأمر صدام حسين مباشرة، وزميلي يقود جيشا عرمرما من العيال، وراتبه الشهري لا يسد نفقات الملابس، ولهذا كان (الحقد الشخصي)، على النظام يقرب أفكارنا، ونتمنى سقوطه اليوم قبل الغد، وان كانت أمنيتنا الأكبر، لو يتم إسقاطه على يد العراقيين ! لم تكن الضائقة المالية حكرا على صديقي غانم، فمعظم الإعلاميين في تلك المرحلة، كانوا يعانون من المشكلة نفسها، ولهذا لجأت نسبة غير قليلة منهم مضطرة، إلى إقامة علاقات (طيبة) مع هذه الوزارة او تلك المؤسسة، عبر التركيز على تغطية نشاطاتها وأخبارها، لأنها في (العادة) لا تبخل في تكريم الإعلامي بهدايا او مبالغ مالية تفوق راتبه المقدم بعشرة أضعاف، وخاصة الجهات الارستقراطية مثل النفط والصناعة والكهرباء، وأمانة بغداد، وكان صديقي غانم بخلاف الآخرين قد اختار (الجمعيات الفلاحية)، وفتح معها خطا وديا، وكنت امزح معه وأقول (ان الصحفي الذي يكتب عن الوزير او الوزارة، ويحضر مؤتمراتهم، ويحصل على وجبة غداء دسمة، مع خمسين ألف دينار او أكثر، اما انت فلا تحصل من الجمعية، لا على غداء دسم ولا مبلغ مالي، لان تكريمهم لك هو كيلو مشمش او كيلو خيار)، وكان يضحك ويرد علي بكلمة واحدة (حظوظ) !! مرة وأنا ادخل المجلة، وقبل الذهاب الى مكتبي، مررت على عادتي الصباحية بالقسم الفني، وفوجئت بوجود صورة كبيرة لصدام حسين معلقة على الجدار، وراء مكتب غانم، وفوق رأسه مباشرة، وقد أثار الأمر استغرابي، فالرجل (يحقد) على الرئيس، ولم يرفع صورته أيام قوته وجبروته، فلماذا يرفعها في ضعفه واقتراب أيامه الأخيرة ؟! سألته عبر الإشارة مستنكرا، فاقترب من أذني حتى لامسها، وقال (أريد اشبع منه شوف) !! علمت لاحقا (أنهم) وزعوا الصورة نفسها في أرجاء المجلة، وعلقوها فوق رؤوس مسؤولي الأقسام (تكريما) لهم، ولم أكن مشمولا بهذا التكريم، ولذلك (راح صدام ولم اشبع منه شوف)، بخلاف غانم حسن الذي كان محظوظا هذه المرة !!
|