هيفاء زنكنة هناك من الشعراء والكتاب العراقيين من يصف نفسه بأنه من جيل الستينات او السبعينات. هناك، أيضا، من بات يستخدم تسمية جيل الحصار (نسبة الى سنوات الحصار) أو جيل الحروب (نسبة الى الحربين الإيرانية العراقية وما تلاهما من حرب قادتها الولايات المتحدة الأمريكية). وإذا ما قدر لأولئك المنتمين إلى تلك الحقب البقاء، فان العديد من مواليد المناطق التي استخدم فيها اليورانيوم المستنفد والفسفور الأبيض لن تتاح لهم فرصة البقاء احياء لمدة طويلة. إنهم أطفال اليورانيوم المشوهون الى حد قلما يجد المرء في نفسه الشجاعة للنظر أليهم او صورهم. وهل هناك ما هو أكثر أثارة للحزن من رؤية طفل يتألم ؟ طفل نعلم جيدا بانه بلا مستقبل؟ من أساسيات واجب الحكومات رعاية مواطنيها، صحيا وعقليا، وتوفير الأمن والاستقرار لهم. غير ان الحكومة العراقية لا تأبه بما هو مفترض من واجبات تجاه المواطنين بل تبذل أقصى جهدها لأعاقة اي مشروع يوفر للمواطنين حقوقهم وللبلد مستقبله وتنميته. فالنظام منخور بضلوع ساسته بجرائم الغزو والاحتلال، وفسادهم وعمى بصيرتهم التي تنعكس على الجميع، بلا استثناء، وان يتحمل الأطفال والنساء العبء الأكبر. ولتركيزي على الأطفال والنساء سبب يناقش، اليوم، في الأوساط العلمية ومنظمات حقوق الإنسان، المحلية والدولية. يتعلق السبب بواقع تزايد التشوهات الخلقية للمواليد وصدور تقرير عراقي رسمي حولها. نحن نعلم جميعا ان الولايات المتحدة الأمريكية، في الحربين اللتين قادتهما ضد العراق، وكذلك في هجومها الكاسح على مدينة الفلوجة، غرب العراق، بمساعدة حكومة إياد علاوي المؤقتة، استخدمت أسلحة اليورانيوم المستنفد والفوسفور الأبيض، بتركيز كبير، قدرته منظمة ‘بيس غروب’ بحوالي 400 طن، وان هناك ما هو أكثر من 300 موقع ما يزال ملوثا بإشعاعات اليورانيوم. وذكر تقرير المنظمة الصادر، في آذار من العام الحالي، بان تأثيراتها كانت أكثر بمئة مرة من تلك التي سببتها كارثة التسرب الإشعاعي من مفاعل ‘تشيرنوبل’. ويعتبر الخبير البريطاني المستقل البروفسور كريس بازبي أن التأثيرات الخطيرة الناجمة عن استخدام تلك الأسلحة يفوق بأضعاف التأثيرات الناجمة عن القنبلة الذرية التي القيت على هيروشيما. وهي جريمة كبرى يتوجب على المجتمع الدولي معاقبة مرتكبيها. ولا يبدو في الأفق ما يشير الى أن النظام ينوي معالجة هذه الكارثة، كما يتحصن المجتمع الدولي بالصمت إزاء إخطارها الممتدة خارج حدود المناطق التي استخدمت فيها. وكان هناك نوع من الإحساس بالأمل حين أعلن، قبل عام ونصف تقريبا، عن قيام منظمة الصحة العالمية بمسح إحصائي بخصوص التشوهات الخلقية للمواليد وتشخيص أسبابها. الا أن إطلاق التقرير لم يتم في وقته المحدد ولأسباب غير معلنة. فكتب هانز فون سبونيك، مساعد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة سابقاً، ومنسق البرنامج الإنساني للمنظمة الأممية في العراق، مبينا بأنه لابد وان منظمة الصحة تتعرض للضغوط من قبل أمريكا وبريطانيا، لأن إعلان النتيجة سيعني تحميلهما المسؤولية وبالتالي إجبارهما على القيام بعملية التنظيف، باهظة التكاليف، بالإضافة الى دفع التعويضات. ثم قام جمع من الأكاديميين والعلماء بتوجيه نداء الى المنظمة مطالبين إياها بنشر التقرير. ووجهت طبيبة الأطفال الدكتورة سميرة العاني، نداء للمنظمة ايضا، في 4 أيلول/سبتمبر، ذكرت فيه ‘أنها سجلت حالات التشوه الخلقي للمواليد منذ عام 2006 بعد أن لاحظت زيادة في عدد المواليد الذين يولدون بعيوب خلقية’. مطالبة بنشر نتائج المسح لأهميتها ولكونها من الأولويات ليتمكن الأطباء والمجتمع من إيجاد الحلول. وتتحدث د. سميرة استنادا الى خبرتها وإحصائها حالات التشوه خاصة وإنها تقيم وتعمل في الفلوجة. وكانت قد ساهمت في إجراء دراسة في 2010 بينت أنه حوالي 144 طفلاً مشوهاً يولد من بين كل 1000 ولادة حديثة. وتولت الطبيبة الإشراف على المسح الذي أجراه مستشفى الفلوجة التعليمي العام، وتبين منه ارتفاع معدلات التشوه الخلقي للمواليد، بشكل غير طبيعي، بعيوب خلقية في القلب والجهاز العصبي المركزي والحبل الشوكي والمخ، علاوة على حالات الشفة الأرنبية وسقف الخلق المشقوق. بعد توجيه النداءات وحالة الترقب لإظهار الحقيقة حول الزيادات غير العادية في ضعف القدرة الإنجابية والعيوب الخلقية الشديدة، والسرطانات، والعقم، والإجهاض المتكرر، والولادات الميتة، في الموصل والرمادي والنجف والفلوجة والبصرة والحويجة وبغداد، أصدرت وزارة الصحة تقريرا لوحدها، 11 أيلول/ سبتمبر، بدون مساهمة منظمة الصحة العالمية. واكتفت المنظمة بوضع التقرير على موقعها. فما الذي حدث لمساهمة المنظمة وعملها لما يزيد عن العام في العراق، لدراسة معدل انتشار التشوهات الخلقية في عدد من المناطق التي تعرضت للقصف أو القتال العنيف، في أعقاب 2003؟ اثار التقرير، حال نشره، استنكار عدد من العلماء الذين قاموا ببحث الموضوع، ذاته، على مدى سنين ونشروا اوراقهم البحثية ودراساتهم في دوريات علمية محكمة. من بين من كتبوا ردا على التقرير، مشككين بمصداقيته، البروفسورة الايطالية باولا مندوكا، عالمة الجينات في جامعة جنوا، ود. مزهكان سافابايهاني، صاحبة العشرات من البحوث والدراسات العلمية والمتخصصة في مجال التسمم البيئي. تقول د. مزهكان في مقال تفصيلي لها يفند تقرير وزارة الصحة ونشر في العديد من المواقع الالكترونية، ان النقطة الاولى التي يجب الانتباه اليها هي ان هذا التقرير يتناقض تماما مع الفيلم الوثائقي الذي بثته البي بي سي في آذار/ مارس 2013، وفيه قال مسؤول كبير في وزارة الصحة أمام الكاميرا، ‘ان جميع الدراسات التي أجريت من قبل وزارة الصحة تثبت بالادلة الدامغة أن هناك ارتفاعا في التشوهات الخلقية وأمراض السرطان في العراق’. خلال المقابلة نفسها، أكد اثنان من الباحثين في وزارة الصحة أن الوضع بصدد حالات السرطان والتشوهات الخلقية يشكل ‘أزمة كبيرة’ بالنسبة الى ‘الجيل المقبل’ من الأطفال. كما أشارت باحثة، إلى رسم بياني ملون قائلة: ‘إن السرطان والتشوهات الخلقية تتزايد، في وقت واحد، في ثلاث مناطق. كما أشارت إلى القمم في الرسم البياني، قائلة، بان هذه المناطق هي نينوى والأنبار والنجف’. وتتضمن مقالة د. مزهكان، تفنيدا لمصداقة التقرير، معبرة عن صدمتها من نتيجته، قائلة: ‘انه مما يثير الصدمة أن نرى تقرير وزارة الصحة الجديد يعلن انه ‘لا توجد أدلة واضحة’ عن أي شذوذ في معدلات ‘الإجهاض التلقائي’، و’موت الجنين داخل الرحم’، أو ‘التشوهات الخلقية’ في أي مكان في العراق. ان الضحية الاولى لهذا التقرير هم اطفال العراق. اذ ان عدم اعلان النتيجة الحقيقية وبناء على المسح الذي قامت به منظمة الصحة العالمية، سيؤخر اتخاذ الخطوات اللازمة لتنظيف التربة والبيئة. الا ان تعرض منظمة الصحة العالمية للضغوط، من الدول الأعضاء فيها، على رأسها الولايات المتحدة، يجب الا يكون حائلا دون مواصلة العمل، عراقيا وعالميا، من اجل اظهار الحقيقية، ووضع حد لانتشار السرطان والعقم والاجهاض وكافة الامراض الناتجة عن هذه السموم، والاهم من ذلك للحفاظ على حياة ومستقبل الاطفال. كاتبة من العراق
|