عناية جابر يشير لنا نجيب مبارك نفسه إلى الطريق بإصبعه: قصائدي هذه، ستكون من الروح إلى الروح. في مجموعة الشاعر المغربي الشاب الجديدة "على مرأى من العميان" صادرة عن دار "مرسم" نرى إلى كل شيء، الروائح والأصوات والألوان، مناخات الحزن على أنواعه، الألم الذي يوشك أن يغادر بشريته، والفكر الذي يعلق بالفكر ويجتذبه. في المجموعة، نرى عند مبارك أي شاغل تركيبي يسود، بدءاً من أول قصيدة. ثمة محاولة ثمينة لخلق لغة شعرية عالية، سيجد فيها الواقعي نفسه محاصراً وملخصاً، إلى حد انها ستنحو إلى الاكتمال في أكثر من موضع، في ذلك الجهد لخلق كلمة شعرية بالغة الثراء، تمتزج فيها كل عناصر الواقع. "لا صفير من نجمة البحر/ ولا أحد على الرصيف/ نصف ليتر من الحليب/ على الطاولة/ كأنك في منأى عن الشمس/ في صبر محتمل/ تغسل يديك جيداً/ وتقرأ "فوتوغراماس"/ الرسالة هكذا مضمونة/ حين لا ترفرف ولا تطير".تكمن المقدرة الفائقة عند مبارك في "نزع العقلنة" عن الرؤية. فمبارك الذي لا تزال ملكات الطفولة لديه في عنفوانها، يمتلك هذه الموهبة الرائعة في القدرة على نسيان كل ما يعرف، وكل المفاهيم التي تعلمها، والتي قد تدخل بين عينيه واللوحة التي يقدمها له الواقع. عند مبارك جهد التركيب أكثر إثارة للدهشة، إلى حد انه يدمج وقائع بالغة التباعد ليجعل منها كتلة لا يمكن تفكيكها. في "على مرأى من العميان" تمتزج المتنافرات، العنف والرقة، النار والثلج. كما أن الشاعر يستخدم الإمكانيات التناغمية لعدة موضوعات أو مشاهد، يركبها بشكل ما، أوركسترالياً: قصيدة قصيرة لكنها كثيفة وإيحائية بشكل غير عادي، حيث تتواطأ الجملة السهلة مع الجملة الصادمة، الجملة الإنسيابية مع الجملة المشاكسة، ورغم تنوع الإيحاءات المتنافرة بهذه الطريقة، تظل وحدة الانطباع شديدة المتانة، وحدة الانطباع بعالم موحش، تستدعي وحدته وصفاؤه المافوق إنساني ـ في مكان ما في أعماقنا ـ انجذاباً ذا نظرة ماسية صافية.يلقي نجيب مبارك ـ عن قصد ـ في مجموعته بين أيدينا، بنظرة جديدة على الأشياء، ويحترم الأوهام البصرية التي تقوم بها نظرتنا الأولى. لا يتدخل العقل لإقامة خطوط التحديد بين العناصر، إنما تأتي في جانب منها، من هذه الرؤية الانطباعية لمبارك. انه ينسق وينظم ويطوّع عناصره على مستويات مختلفة، يراكمها ويدخلها الواحد في الآخر، ليقدم لنا "رؤية" مباشرة وتركيبية لا وصفاً تعاقبياً لمشهد في كتلة هذه العناصر المتنوعة: "الخزائن باردة/ وجميل خراب المطاعم ـ الحانات/ في آخر الليل/ وانهيار القباب/ على النائمين/ ....../ وموجعه إبرٌ ترتق الآن/ انتظاراتي الأكثر لبساً/ من آخر محطة/ إلى حواشي القدمين".لا يبرع الشاعر كنسق في الأسلوب فحسب، لكن أيضاً كنتيجة إيمان عميق بالوحدة، وبالحياة الموضوعية للأشياء، ويحدثنا هنا عن الخراب الجميل، عن انهيار القباب على النائمين، عن فجيعة الهواتف المقفلة، وعن الانتظارات الأكثر لبساً.فلاحظ إلى أي حد، في هذه المجموعة، كل كلمة تلعب دورها، أولاً بأن تساهم في الإيحاء الكلي، المرتبط بأداءات أخرى، فلا يوجد عنصر بلا فائدة، في هذه السطور المختزلة إلى الحد الأساسي، وتندرج في كل يتبارى فيه كل شيء للإيحاء بالعزلة والهجران.
|