العدد 872 - 0014-12-25
  من نحن ؟ اتصل بنا الصفحة الرئيسية
الاخ العبادي.. هل سمعت بمنطقة الحسينية؟!    لجنة التحقيق: البيشمركة وسياسيون وقادة وراء سقوط الموصل    خيانة عظمى.. تأجيل التعويضات الكويتية «سنة» مقابل خنق ميناء الفاو    اليوم.. العبادي في تركيا لبحث ملفي مكافحة الإرهاب والنفط    معصوم ينتظر «الـوقـت الـمـنـاسـب» لزيارة إيران    محافظ الديوانية: مدينتنا متواضعة بالاقتصاد ومتقدمة بالأمن    التربية: لا وجود لدرجات وظيفية بسبب «التقشف»    المرجعيـة تـدعـو لإيجـاد سبـل لمحـاربـة «الـفـتـن» وتـحـذر: الـعـراق مـهـدد    الجبوري يستقبل رئيس وأعضاء مجلس مفوضية الانتخابات    المباني تنفذ مشاريع بأكثر من ترليون دينار في قطاعي المباني والخدمات    زيادة رواتب الحماية الاجتماعية العام المقبل    «الفرقة الذهبية» تصول على «داعش» في حدود الموصل ومقاتلوها على مشارف «الكسك»    «داعش» يستهدف «البغدادي» بــ «الكلور».. ووزير الدفاع يتوعد: سنسترد الأراضي المغتصبة    المسيحيون يلغون احتفالاتهم تضامنا مع الشهداء والنازحين.. والعبادي: انتم أصلاء    المستقبل العراقي .. تكشف اسباب عدم تسليم العراق طائرات الـ «F-16»    «داعش» يسقط طائرة حربية اردنية ويأسر قائدها في الرقة    انقرة متورطة.. جنود أتراك يتحدثون مع مقاتلين «داعشيين»    تسلق واسترخاء في جبال اليابان المقدسة    الأسـواق .. حكمـة الحشـود تزيح جنـون الغـوغـاء    الإنــتـاجـيـة تـحـدد آفـاق بـريـطـانـيـا الاقـتـصـاديــة    
 

إحصائيات الموقع
الزوار المتواجدون حالياً : {VISNOW}
عدد زيارات للموقع : {MOREVIIS}


حالة الطقس
غير متوفر الطقس حاليا

البحث
البحث داخل الأخبار

الأرشيف


مقالات

إستفتاء

كيف ترى مستقبل العملية السياسية في العراق







باسم فـرات في ديوانه «بلوغ النهر»

 
2014-12-22 12:31:03
عدد المشاهدات : 698

عبداللطيف الوراري

استطاع الشاعر العراقي باسم فرات أن يكشف لقُرّائه ومُحبّيه حساسيّة الكتابة التي ينحتها ويوقدها بزيت ذاكرته وروحه ومعرفته، وهي لا تثبت على شكلٍ معيَّنٍ أو معتقَدٍ آسرٍ يحُول بينها وبين مجهولها في استئناف معناها، بل هي متوتّرة ما تفتأ تتبدَّل في عبور الذّات للمنافي والبحار والجزر والشِّعاب، تستنطق شواهد ليل الماضي بقدر ما تستبصر أفق الحاضر وتهجس به.
منفى آسيويّ، ولا يأس!
يكشف الشاعر في ديوانه الجديد «بلوغ النهر»**، عن أشعاره الجديدة الّتي هي نتاج مغامرته الذاتية، في منفاه الآسيوي. «في المنفى الآسيوي ـ يقول باسم فرات ـ حقّقتُ طفرةً شعريّةً مُهمّة في تجربتي»، ومُشيراً إلى أَنّه «منفىً اِسترخائي تأمّلي اِستكشافي» يُنْصت فيه لعزلته، ويحتفي بالحياة ضدّ الموت والخراب، وكتابته أشرفت على مدى أرحب مُثقلةَ بالهمّ الإبداعي والشعري والتّصالح مع المكان والثقافة الجديدة». إنّنا نعثر على رغبةٍ واضحة لدى باسم فرات للخروج من عباءة «الكربلائي» المحلولكة، وهو يتفاعل مع العالم الذي يكتشفه.في نصّ «سليل»، الذي يؤرّخ لأوّل نصوص هذا المنفى، يُعبّر الشاعر عن رغبته المريرة في الانعتاق من أسر «الصورة» الضاغطة والواخزة للوعي، مثلما يكشفُ عن تململٍ في إواليّات فهم ما يقع حول الذّات التي وجدت نفسه في صراعٍ بين فضاء (الهنا) وفضاء (الهناك). يقول الشاعر: «عندما رأيْتُ رأسي/ بلحيةٍ وشَعرٍ مُنْسدلٍ/ مرفوعاً على رُمحٍ/ حلقتُ لِحيتي/ وقصصتُ شَعري/ تعطّرتُ/ ورحتُ أغازِلُ نسوةَ المدينة/ هل أوهِمُ نفسي/ أنّني لست الّذي في الصورة:/ محمولاً رأسه/ على رُمْح؟ !» (ص69).وفي «البراق يصل إلى هيروشيما»، نقف على معنى أن يصطرع في وعي الذّات عالمان، ديني تُراثي وآخر تاريخي، يقوم الشاعر بدَمْجهما في أفق التجربة الإنسانية المشتركة الذي يُفيد أنّ عهد النبوءات ولّى، وأنّ نهر الوجود لا ينقطع عن شقّ استعاراته الحيويّة: «أمام قلعة هيروشيما/ وحيداً/ يقف البُراق/ دون نبيٍّ يمتطيه/ حاملاً أحلاماً/ فقدت صلاحيّتها/ تحته يجري النهر/ نزقاً ينبضُ بالجنون» (بلوغ النهر، ص5). وبالتّالي، لا مندوحة من أن تنفتح الذّات على ممكن حياتها خارج شرنقتها الآسرة، وخارج التمثّلات التي حملتها، واستحالت إلى قيْدٍ يشدُّها إلى الماضي. لذلك، ليس من المغالاة أن نقول إنّ المنفى في تجربة الكتابة يمثّل، بالنسبة للشاعر، شكلاً مُلائماً من أشكال التعرُّف على الذّات بما ينغلق عليه عالمها من ذكريات وهواجس وأيقونات، فيتّخذ من حاضر منفاه معبراً للكشف عن معاناتها الذّاتية بقدر تجاوزها وتفجيرها تخييليّاً، مثلما في نصّ «رجل من هيروشيما» الذي يشفّ عن نزوع الشّاعر الإنساني وإقباله على الحياة بمجرّد نسيان الماضي، وإن كان يحمل آثاره وندوبه المادّية. يقول: «الّذي فقد أباه/ في السادس من آب 1945/ وتشوّهت أًمُّه،/ الذي حمل عوقه/ ستّين عاماً/ ولا يزال،/ قدّم وردةً لقاتليه،/ واحتفى بالحياة.» (ص59). وفي سياق آخر، يتّخذ الشاعر من (الذّات) معادلاً للـ(ساموراي)، حيث يتخيّل الشاعر نفسه في صورة الساموراي الذي جُرِّد من أُبّهته وتاريخيّته، ولم يبق منه إلّا مادّته، لا روح فيه. تشفّ القصيدة عن أنّ المعنيّ هو صورة الشاعر، أناه ووظيفته في العصر الذي يحياه؛ فهو في المتحف، بلا دَوْرٍ ولا قيمة. يأخذ الاغتراب معناه الأوسع، الأنطلوجي. يقول الشاعر في (الساموراي): «يُجرَّد من أُبّهته/ ويُركن/ في زاويةٍ شبه مُظلمةٍ/ في متحفٍ ما/ بانتظار/ مهرجانٍ جديدْ.» (ص8).

أمكنة جديدة تتحرّك
لكنّ شاعراً كان مثله مُسافراً مريضاً يعبر حقول الأعشاب الذابلة في أحلامه، هو ماتسوو باشو، رائد الهايكو الياباني، يقوم باستدعائه كقناع، ويستثير من «تقريضه» له معاني الأمل، ويجعل العزاء في الشعر قائماً، وجذوته في سريرته مضطرمة لا تنطفئ، حتّى وهو في هشاشته وعزلته، مثلما يغتسل في حضرته الجليلة من الأحزان والكوابيس التي علقت بذاكرته: «ها أنت ذا في حضرة باشو/ لا تنْسَ أن تصبّ الماء على يديك/ وتضرب بالناقوس/ ثمّ تخلع نعليْكَ/ عليه اقصصْ طفولتك..»(ص40).
يرى الشاعر في «نهر ميكون»، باللّاوس، تلك المدن التي خبّأت أسرارها ورمّمت ذكرياتها من ركام الحروب، وإذ هي تأبى أن تتعيّش على أوجاع الماضي، فهي تستأنف رحلتها على ضفاف النهر الذي يُشاطئ دولاً مثل الصين واللاوس وميانمار وتايلاند والفيتنام، لأن نداء الحياة هو الترياق نفسه؛ ولقد تحوّل هذا النهر الذي اصطبغت مياهه بالدّم والعويل إلى معادلٍ نفسي وتخييلي كما لملفوظٍ مسكوتٍ عنه كما في «عن الغريب الذي صار واحداً منهم»، كأنّ الشاعر يلمح إلى نهري الأمل دجلة والفرات: «ها أنذا..قدمٌ في ميكون وأخرى في الأمل/ يرقدُ تاريخٌ في جعبتي/ أنصتُ للموج بينما الرّيحُ تقفلُ أبوابَها خجلى» (ص13). أو لنقل، بعبارته هو، إنّه
«يُقطّر الفرات في مُخيّلة ميكون».
وعابراً مدن الشرق الأدنى، يتلمّس الشاعر معنى اكتشاف العالم بتلقائية ودون شعور بالنقص، ويكبر في داخله الشعور المبتهج بالانتماء إلى ثقافاتٍ بأكملها، مختلفة وحافزة، إلى حدّ أن نكتشف معه حقيقة أنّ الوطن ليس ما تشكّل في الذاكرة، بل إنّ هويّته تتشكّل باستمرار من تراكم خبرة الشاعر الحسّية وغناها في عبوره حياة الأمكنة الجديدة التي يتصالح معها، ويكتشف فيها «وطنه الجديد»، ويعيد تأويل استعارته من جديد، بعدما لم يعد العراق ـ كما يعتقد في قرارة نفسه ـ «فردوْساً مفقوداً»، وإن كان ذلك لا يتمّ بمنأى عن الحنين القاسي الذي يتلبّسه، ويحاول كسر طوقه. هكذا، في كلّ مكانٍ يعبر به، من البحر إلى مرآب السيارات، يبحث فيه عن معنى ذاته المتشظّية، المتوزّعة بين الذّكريات والمنافي، ويقول «إنّها فطنة الإنسان مع الحاجة»، ويزيد: «وبينما أمضي/ مُتأمّلاً معابدَ وقصوراً وقلاعاً/ همستْ سيّدةٌ بجانبي تسخر من ثمانينها وهي تأفل:/ إنّها جميعاً كانت حطباً لحرب سادرين بحمقهم/ ما تراه، تقول لي الثمانينيةُ، نفخنا فيه من روحنا» (ص58). روح الإنسان، هذا هو الجوهر الذي يدع الوعد بالحياة مستأنفاً، على الدوام.

بحثاً عن الذّات
إنّ باسم فرات ليس مجرّد سائح يلتقط له الصور التذكارية، ويفرح بها، إنّه فوق كونه شاعراً، هو رائيٌّ يضع ذاكرته في أتون الأسئلة المنتجة والخلّاقة، فلا يكتفي بزيارة المكان، يل يستقرئه ويستبصره باعتباره مكاناً إنسانيّاً بليغاً يُفيد – كدَرْسٍ للاعتبار- أيّ مكان في العالم ميئوسٍ منه، بما في ذلك الأمكنة التي عبرها واصطلى بنارها، من كربلاء إلى بغداد. فالمكان الجديد لا يحضر إلّا كمعادلٍ نفسيٍّ وأنطولوجيٍّ ينتسخ، بوعي أو بدونه، التجارب القديمة للمكان، ويُعيد تشكيلها بطريقةٍ تُفجّر المسكوت عنه الذي يرين على الذاكرة ولغة الأحلام، من هيروشيما إلى شبيهاتها. يُحيل الشاعر على هيروشيما في نصوص أخرى مثل «تلاميذ هُندوري»، و»متحف السلام في هيروشيما»، و»قلعة هيروشيما»، وكأنّ هيروشيما- هنا- حافزٌ للعراقي، الكربلائي وغير الكربلائي، على النهوض والترحال بحثاً عن خلاص ذاته وتحرير معناها بما هي قدر المنفيّ المزمن وغير الميئوس منه، الذي يدع الوعد بالحياة مستأنفاً. أليس يقول في نصّ «هيروشيما ومدن أخرى»: «هي مدنٌ/ تعبرُنا ونعبرُها/ لتتركَ وشْمَها فينا/ وشْماً تُبارِكه آلهةُ الشنتو/ مدنٌ نطوفُ بها كالمجاذيب/ نُعلِّقُ ذكرياتِنا فيها،/ المليئة بمغامرات حمقى/ أهالوا نهاراتِهم على الليل» (ص53).في خضمّ ذلك، نلمس في نصوص «بلوغ النهر» تأثُّراً من لدن الشاعر بثقافة بلاد المنفى وأساطيرها (بوذا، ناغا، طلات ساو، الدارما، الشنتو، الساك..)، التي يقوم بدمجها مع تاريخ العراق وأساطيره (أحيقار، مردوخ..)، في بنية القصيدة، فكأن جُلّ هذه النصوص وليد الثقافة الجديدة يتنفّسها ويحوّل تصالحه معها إلى بؤر ثقل نفسية ووجودية تجعل من اليومي والمعيش أنماط حياة وأشكال تخييل بانية؛ فليس المعنى هو وحده الذي يتغيّر، بل الخطاب الذي ينتظم إيقاع الذّات الكاتبة وسيروروة انبنائها الدلالي والرمزي: تدافع الجمل الشعريّة نثْراً، فيما إيقاع التضادّ والمفارقة يخترق بنيتها بشكل تلقائيّ وصادم في آن، ويبلغ ذروتها الفجائية في نهاية كل نصّ. يساهم ذلك في شعرنة السرد الذي يجعل من سرد الذّات سرداً متعدّداً يتغذّى من متواليات البوح والرؤيا والاستيهامات وأشكال الاستعادة الواعية وغير الواعية. ولا تعدم الخلفية، بالنتيجة، حركة الصُّورة التي ترفد دلالاتها الحسية وتجترحها من تراكم خبرات سابقة، عبر لغة مستقطرة ومكثّفة ترتفع بالتركيب النفسي لها إلى مجال خصيب يستوعب تحوُّلات الذات ويطلقها في مسارٍ لا ينتهي من إنتاج المعنى.

  اتصل بنا روابط سريعة
 
برمجة و تصميم eSite - 2013
للإتصال بنا عن طريق البريد الإلكتروني : info@almustakbalpaper.net
الرئــــــــيسية سياسي
محلي عربي دولي
اقتصادي ملفات
تحقيقات اسبوعية
فنون ثقافية
رياضة الأخيرة