التفوق الملاحي العربياعتراف عالمي بريادة العرب والمسلمين البحرية

رجال اختاروا اقتحام البحر، والولوج في لجته، وجازفوا في الغوص في أعماقه السحيقة، وترويض أمواجه الغاضبة. لكن أسرار مغامراتهم البحرية دفنت في رمال السواحل البعيدة، وطواها النسيان. وتجاهلها المؤرخون.

تعلم منهم العالم فنون الملاحة، وأساليب الإبحار، وعلوم الفلك، وتعلم منهم المبادئ الهندسية لبناء السفن. بيد إن مناهجهم التعليمية تعرضت للسرقة، وسجلت باسم الغزاة والقراصنة.

كان البحر بستان الملاحين العرب، وملعبهم، ومؤنسهم، ومدرستهم، وملاذهم. وكان مقبرتهم الأبدية. طبعوا بصماتهم في ذاكرة الطين والماء، ونقشوها على المسطحات البحرية المترامية الأطراف. وهي الآن تنتظر من يكشف الغطاء عنها، ويفك رموزها. وما هذه الصفحات إلا محاولة متواضعة لقراءة السجل التاريخي لفنون الملاحة العربية.

أول من رسم خطوط الطول والعرض

حقق العرب مكانة عالمية متميزة في المهارات الملاحية المكتسبة بالفطرة. إضافة إلى ما يكتنزونه من مواهب طبيعية، وما يحتفظون به من معارف موروثة. وتفوقوا في فنون وهندسة بناء السفن الشراعية. وكانوا أول من تعلم ركوب البحر. وخاضوا غمار البحار البعيدة بقواربهم البدائية المصنوعة من البردي المطلي بالقار. وأحرزوا قصب السبق في الاستدلال بالنجوم والكواكب لرسم مساراتهم على المسطحات المائية. ومازالت القبة السماوية تسطع بأسمائها العربية الخالدة. وكانت لهم الريادة في تهذيب، وتطوير الإسطرلاب. وابتكروا آلة الكمال ( آلة السدس Sextant). واخترعوا البوصلة المغناطيسية، وهم أول من جزءّها إلى أثنين وثلاثين جزءاً. وأول من استخدم الساعة المائية في الملاحة. ويعود لهم الفضل في رسم الخرائط الملاحية، وتثبيت الملامح الساحلية، وتوزيع خطوط العرض والطول. والعرب أول من عرف الملاحة. فقد وردت في الأكدية مفردة (ملاحو). وربما كانت تلفظ (ملاّحو). وهي في السومرية – ملاح- وتكتب (ما- لاح). وتعني بحّار.

وأطلق السومريون على دفة السفينة اصطلاح (سكّان) وهو دفة السفينة rudder وتلفظ في الأكدية (سكانّو) وفي السومرية (زي – كَان).

وهناك دلائل تاريخية موثوقة تشير إلى إن العرب كانوا أول من اخترع المرساة البحرية (مخطاف السفينة)، وأطلقوا عليها اصطلاح ( أنجر). وتلفظ الجيم فيه على أصلها السامي. والجيم السامية مشابهة للجيم المصرية. وقد رصد الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري هذه اللفظة. وصرح بعراقيتها. قال: (والأنجر مرساة السفينة، وهو اسم عراقي). وزعم أن اللفظ عراقي بدليل عدم سماعه له في غير العراق، ومعروف سكن الخليل في البصرة، ومنها اطلع على كثير من الألفاظ العراقية التي رصدها في معجمه (العين). ومن الطريف أنه ذكر مثلا عاميا عن الأنجر، ما زال يقال حتى يومنا هذا، إذ يقال للثقيل (أثقل من أنجر).

وقد تبين لنا من خلال البحث في هذا الموضوع. أن هذه التسمية لها جذورها العميقة في وادي الرافدين. فقد وردت مفردة (Ankara) في اللغة المندائية بمعنى المرساة. ويبدو أن هذا اللفظ تسرب إلى اللغة الإنجليزية. فهم يطلقون على المرساة (Anchor). . وتعلم منهم العالم كله هذه التسمية.

أسياد الملاحة بلا منازع

كان المصريون أسياد الملاحة في حوض البحر الأبيض المتوسط بلا منازع. وكانت سفنهم من أكثر السفن إثارة للإعجاب. وتظهر مستوى عال من المهارة ودقة الصنعة. واستطاعوا أن يبسطوا نفوذهم الملاحي على طول البحر الأحمر، والأبيض المتوسط. وكانت الإسكندرية صلة الوصل بين الشرق والغرب. ومن يقرأ كتاب (طريق بحر إريتريا)، الذي كتبه تاجر من الإسكندرية. سيجد إن هذا الكتاب يشتمل على أدق الحسابات، والقياسات، والنصائح الإرشادية الملاحية.

ولقرون عديدة كانت سفن العمانيين تمخر عباب البحار حاملة معها البضائع إلى الموانئ السومرية في أبولوجوس، وأريدو. وتطور أسطولها التجاري في عهد (الإمام غسان بن عبد الله الفجعي). ثم جاء من بعده (الإمام المهنا بن جيفر)، الذي عمل على تقوية الإسطول. وأولى عناية كبيرة للفنون والعلوم البحرية. وسجل الأسطول العماني، في فترات متلاحقة، انتصارات باهرة على سفن الغزاة والقراصنة في أكثر من معركة. وأصبحت عمان تشكل قوة ملاحية. يحسب لها ألف حساب في بحر العرب، والمحيط الهندي.

اليابانيون والصينيون يعترفون

برع العرب والمسلمون في رسم الخرائط الجغرافية، وتوضيح المسالك البحرية. أشهرها خارطة العالم، التي رسمها الأدريسي. وصنع بجوارها كرة أرضية من الفضة. وهو أول من رسم خارطة كاملة للأرض. وتناول المقدسي، في كتابه (أحسن التقاسيم في دراسة الأقاليم)، دقة الخرائط الملاحية، التي استخدمها العرب في الملاحة بسفنهم الشراعية في المحيط الهندي. وأشار إلى المهارة الفائقة للملاحين العرب في تصحيح وتحديث المسارات البحرية. وكيف كانت الجزر والشواطئ مرسومة في غاية الدقة. ويعترف اليابانيون والصينيون بأنهم تعلموا الملاحة من العرب. وجاء هذا الإعتراف بشهادة أرباب الملاحة في جنوب شرق آسيا. فقد ورد في كتاب مؤسسة ( هوسو كيوكاي ) ما يؤكد إن اليابانيين تعلموا الملاحة من العرب، وتعلموا منهم هندسة بناء السفن التقليدية القديمة إبان أيام تجارتهم مع سلالة (مينغ) الصينية للفترة من 1368 إلى 1644م، وخلال عهد ( مورو ماشي ) للفترة من 1336 إلى 1573م.

الفضل لمن اخترع الشراع المثلث

نجح العرب في مواجهة أهوال البحر، والتغلب عليها حينما اعتمدوا على خشب الساج في صناعة مراكبهم. وذلك لمرونته وقوة تشكله حسب الطلب، ومقاومته للتلف.

وانفردت السفن العربية بخصائص تدل على خبرة صانعيها، ودرايتهم بالأمور الملاحية، ومعرفتهم بالمسالك البحرية. فبرعوا في صناعة السفن القديمة ذات المؤخرة المرتفعة. مثل : (البغلة، والكوتية، والغنجة).

ونجحوا في صناعة السفن ذات التصميم الإنسيابي مثل: (البوم، والسنبوك، والشوعي). وهذه الأنواع من السفن تستطيع أن توجه الوجهة الصحيحة المطلوبة خلال المناورات البحرية، وفي الظروف الصعبة، وعند اشتداد الرياح، وتلاطم الأمواج، وهيجان البحر. وبخاصة في المتاهات البحرية المعروفة بكثرة الشعاب المرجانية، والخلجان، والترسبات الطينية والصخرية. فاختلاف التضاريس في البحار والمحيطات أكسب العرب خبرة عالية. وجعلهم أكثر مهارة. فارتقوا بمهنتهم الأصيلة إلى المستوى، الذي يؤهلهم لخوض غمار البحار البعيدة. وتجاوزوا بخبرتهم هذه مياه الخليج، وحوض البحر الأبيض المتوسط حتى وصلوا إلى أقصى الأرض بأدواتهم الملاحية البسيطة. وكانت سفنهم تجوب معظم بحار العالم. . ويقول المؤرخ الهندي (بانيكار) : ربما شاقنا أن نلحظ إن تزويد السفن بالأشرعة المثلثة، كان من المستحدثات، التي نقلها البرتغاليون عن العرب. ولولا الشراع المثلث، الذي أدخله العرب على الملاحة لما تطورت السفن الأوربية، ولما نجحت رحلات المحيط الأطلسي، التي قام بها المستكشفون الأوائل. خشخاش وابن فاروق سبقوا كولومبسعندما وصل أسطول فاسكو دي غاما إلى المحيط الهندي كانت الملاحة العربية في قمة مجدها. وبلغت درجة عالية من الكفاءة والدقة.