الكناية من أجمل فنون البلاغة في اللغة العربية، لأن وظيفتها الرئيسة الابتعاد عن المباشرة والوصول إلى الهدف والإيحاء أو الرمز الدال ولعل من أشهر الأمثلة البلاغية تداولاً عن الأقدمين قولهم ( فلانة بعيدة مهوى القرط) أي أنها صاحبة جيد طويل، وقد أفادت لهجتنا العامية من ذلك فكثرت الكنايات في أقوالنا وأشعارنا الشعبية، من ذلك [ فلان يمشي جنب الحائط ]، كناية عن الرجل الوديع المسالم، الذي لا يؤذي أحداً ولا يعترض إلى أحد، وأعتقد إنني من هذا النوع، فقد أمضيت قرابة خمسين سنة في الصحافة، ولم (أتحارش) في يوم من الأيام بالنظام القاسمي أو العارفي أو البعثي، مثلما وقفت بعيداً عن مجلس الحكم والبرلمان والحكومات المتعاقبة، وعلى كثرة ما يشاع من كلام جميل عن الديمقراطية وحرية التعبير وحماية الصحفيين، إلا إنني نأيت بنفسي من دوخة الرأس و”الطلايب” وفضلت الوقوف على التل.
ولذلك حافظت على علاقات سليمة مع كبار المسؤولين ورؤساء التحرير والبعثيين (غير الصداميين) ومنظمات المجتمع المدني، وبالذات اتحادات النسوان.
مكتفياً بالكتابة عن حالات عامة، لا تضر ولا تنفع ولا يقرأها المسؤول، كالزحام المروري أو البطالة أو أزمة الكهرباء، ولكنني لا اقرب ولا أتقرب من السياسة وعالمها المخيف، والمهم عندي أن أحسب 30 يوماً وأقبض أجوري من الجريدة، وأعود إلى البيت مرتاح البال، حيث تكون زوجتي في انتظار الأجور!
أظن إنني صحافي مثالي تتمناه جميع الجرايد الحكومية، ومع ذلك، ومع هذا المشي إلى جانب الحائط، لم أسلم، فقبل بضعة أيام وأنا مستغرق في نومي، رأيت في ما يرى النائم، وكأنني كتبت مقالة في هذه الزاوية (أنقد) فيها أحد أفراد حماية وزير الإعلام، وقد استدعاني الوزير [ على الرغم من إن البلد من غير وزير إعلام ولا إعلام ]، وحاسبني حساباً شديداً على بعض العبارات التي تدين سلوك الحماية، فقلت له [ معالي الوزير .. إن العبارات التي تحاسبني عليها مقتبسة من تصريحات لأعضاء في الحكومة والبرلمان ورؤساء أحزاب، ولم آتِ بشيء من جيبي ] وبدلاً من أن يهدأ سيادته، فقد تصاعد غضبه وسألني [ الجماعة أحرار في ما يقولون .. فهل أنت واحد منهم ؟!]، أجبته [ عفواً سيدي .. أنا مجرد صحافي على باب الله ] وبلغ الغضب به حداً أفقده الكياسة، وأنساه إننا نعيش تحت خيمة الديمقراطية والعراق الجديد، وصرخ قائلا [ إبن الـ .. إذا كنت مجرد صحفي فلماذا تورط نفسك ؟!] ثم التفت إلى أفراد حمايته وقال لهم بلهجةٍ أمريةٍ متعارفٍ عليها على ما يبدو [ شوفوا شغلكم ]، وهجم علي ثلاثة عمالقة، وأسقطوني أرضاً، وارتطم رأسي ببلاط الغرفة ارتطاما عنيفاً، فاستيقظت مرعوباً، ووجدتُ نفسي ممداً على أرضية الغرفة بعد أن سقطت من سريري، وقد استيقظت زوجتي على صوت الارتطام، فساعدتني على النهوض وتعوذت في وجهي من الكابوس، وحين رويت لها الحكاية كاملة، ارتعدت فرائضها غضباً وقالت لي [ والله العظيم مستاهل وحيل بيك، الصحفي يحلم بأرض، براتب، بشقة، بتكريم، بإيفاد … إنت تحلم بوزير الأعلام وتتحارش بالحماية .. ارجع نام أحسن لك ]، أعتقد إنها كانت على حق !!