صورة قلمية

هو الآن يقترب من عامه التسعين، ولم يتغير، نحت في الصخور كلها، وشرب من المنابع كلها.. مدح الزعماء جميعهم، وشتم الزعماء جميعهم، ما رأيت أحدا من الناس أكثر امتلاكا للوجوه منه.. ولا أكثر استبدالا للأثواب، له في كل عصر قميص، هو مع وضد في وقت واحد، علم العراقيين كيف يعبدون صدام حسين، ثم علمهم كيف يشتمونه، كذب على زعيمه في حياته، وادعى عليه بعد سقوطه، حتى زعم فيما زعم، انه كان يوجه اللوم إلى صدام ويؤشر أخطاءه ويغلظ القول معه، والرئيس هاش باش يتلقى صائحه كتلميذ في حضرة أستاذه، فكيف يكون الافتراء، ولو كان المفترى عليه غير (حفظه الله ورعاه) لصدقنا مزاعمه!!

تآمر فيمن تآمر على عبد الكريم قاسم، ثم انزله منزله الشهداء والصديقين وبعد أن خاض عمار الشعر والأدب فخذلته الموهبة والفطرة والقدرة.. رأى أن يكون مفكرا سياسيا كبيرا ترنو إليه الإبصار، فاختار اقصر الطرق إلى الشهرة، تحامل على أهل السنة منتصرا للشيعة، فلم يعبأ له السنة ولم يفرح به الشيعة، ثم تحامل على الشيعة منتصرا للسنة، فلم يعبأ له الشيعة ولم يفرح به السنة، وخرج من المولد مهيض الجناحين، ولا حصمة ولا زبيبة، ومع ذلك لم يتعظ، ألقى نظرة الى انتخابات البلد، وتفحص خارطة القوى، فلم تهده بصيرته إلى احد الفريقين، فريق الحكومة ام فريق المعارضة غير أن حاسة شمه أرشدته إلى البوصلة الفائزة، والبوصلة الفائزة هي ان يكون مع المعارضة وعينه على الحكومة، وان تكون زوجه مع قائمة الحكومة وعينها على قائمة المعارضة، وهكذا تؤكل الكتف على اي جانبيها مالت الريح!

كان طوال مدة الإعداد والإحماء والاستعداد يوم الانتخابات الموعود، يقضم جسد الحكومة وكأنها عدو مبين ويعلي من شأن المعارضة وكأنها ولي حميم، ثم لم يجن من أصوات الناخبين إلا ما يزيد على عدد الأصابع بقليل، ولم يكن حظ زوجه أحسن حالا، وحين أدرك أن حصاده لا يؤهله لأي منصب من المناصب الرفيعة التي يحلم بها، قلب ظهر المجن للمعارضة وراح يقضم جسدها كأنها عدو مبين، ويعلي من شأن الحكومة وكأنها ولي حميم، غير ان الحكومة التي أدركت لعبة الرجل وماذا يخبئ تحت عباءته من نزعة عارمة نحو السلطة، رحبت بانضمامه إليها، ولكنها تجاهلت أحلامه، ومع ذلك لم ييأس ولم يتعب وهو على مشارف التسعين، فمازال المولد قائما وربما يحظى بوشالة القدر، ولهذا قرر أن يؤدي دور البطل، وقف خارج الحكومة والمعارضة، ومحاولا مسك العصا من الوسط، وراح ينكل هما معا، وبذكاء شيطاني مكشوف حاول التبرقع برداء أبيض وكأنه ملك سماوي وبدأ يرسم لنفسه صورة المنقذ ومن بولايته تصلح أمور البلاد والعباد، إلا أن صوته المبحوح لم يصل إلى ابعد من حنجرته!!

أما وقد بارت بضاعته وكسدت في أسواقنا المحلية، ولم يعد لها رواد ولا مخدوعون، فان الرجل يبحث لها عن منافذ جديدة، ها هو يعلن بملء حريته ان أفضل الأنظمة على وجه الكرة الأرضية هي القائمة في (السعودية وليبيا وإيران) ولا يتوانى عن وصف قادتها بأجل الأوصاف وأعظم النقاب، و مع انه حر فيما يرى ويقرر ولكن الأمر لا يبدو محض مصادفة أن تكون هذه الدول الثلاث هي الأشهر على مستوى الهدايا والعطايا والإنتاج البترولي!

لحكم تتحرقون الآن شوقا لكي اكشف عن هويته، وهذا أمر غريب فانا شخصيا ارسم صورة قلمية لشيخ من شيوخ الانتهاز، لا اعرف من يكون ولكنه يصلح أن يكون أنموذجا، أما الأغرب فأنكم تعرفون جيدا من هو، ومع ذلك تودون التأكد لكي تظمئن قلوبكم، وأقول لكم، اطمئنوا أيها السادة، فهو على وجه التحديد من تفكرون به.. وليس غيره!!