ما بين التاسعة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهرا هو الوقت اليومي المخصص للذهاب الى مقهى المتقاعدين وتمضية ثلاث ساعات مع رفاقي أصحاب الأعمار الآيلة للسقوط حيث كنا نتقلب بين شتى الأحاديث والمواضيع خاصة أخبار الساعة حتى إذا ضجرنا وعادة ما نضجر لان الفضائيات وأجهزة الإعلام على كثرتها وتنوعها لاشاغل يشغلها من مواجع الناس التي لا تحصى ولا تعد إلا ذلك الصراع الأزلي الخالد بين اثنين من رموز العملية السياسية وكبار رجالات البلد وهو صراع أقرب ما يكون إلى الحرب الباردة كلام وتصريحات وتهديدات وتهم متبادلة واتفقا ولم يتفقا وتوصلا لم يتوصلا وتلويح بل الانسحاب وتلويح بحكومة الأغلبية وتلاعب جميل في الألفاظ بين الشراكة والمشاركة أقول حتى إذا ضجرنا من هذه الاسطوانة التي لا تغني ولا تشبع هربنا من حرب الرجلين إلى لعبة النرد أو الدومينو فهي الوحيدة التي تنسينا ما أصبحنا عليه من بخت مائل وتشعرنا بقدر عظيم من المتعة !!
على الرغم من صفة (المتقاعدين) التي تحملها المقهى ولكن روادها من شرائح اجتماعية ومهن وأعمار متباينة طلاب وشرطة وصحوة وأمن وعاطلون ومخبرون سريون وموظفون مجازون طوال السنة براتب تام وسياسيون لم يفوزوا في الانتخابات ومتقاعدون بالطبع وربما كان بعض الرواد ارهابيين لم يتم التعرف عليهم، وهذا الخليط من الناس يقدم في العادة نماذج كثيرة، الذي يضحك بصوت عال والكريم والبخيل والمرح والحزين والطيب والخير والمستعد للعراك.. الخ
من اغرب شخصيات المقهى رجل يدعى أبو عبد الله وهو من أفراد مجموعتنا المتقاعدة كان عنوانا للبساطة والوداعة ولكنه مبتلى بهوس الاسترسال أو الإطناب في الكلام فإذا أراد الحديث عن ارتفاع الأسعار مثلا استعرض جملة من المواد قبل ان يختار واحدة منها كأن يقول على النحو التالي (خذوا) أسعار اللحوم الحمر أو لماذا لا نأخذ أسعار السمك اتركوا السمك وخذوا أجور النقل، ولماذا النقل؟ هناك أسعار العدس والفاصوليا اليابسة أو لنأخذ أجور الكهرباء اتركوا الكهرباء وخذوا كشفية الطبيب أو دعونا ننظر الى الإيجارات أو لاحظوا سعر قنينة الغاز فقد ارتفع من 250 دينارا الى 7 آلاف دينار هذا هو أبو عبد الله يسترسل ويضرب الأمثلة بدون توقف، ولم نستطع تغيير هذه العادة لأنها باتت طبعا متأصلا ومتحكما من طباعه الشخصية !!
قبل أيام كنا نتحاور حول ظاهرة الرشوة التي تخطت الحدود والمنطق وفجأة تدخل الرجل قائلا: (خذوا مثلا موظف الاستعلامات أو دعونا منه ولننظر الى رئيس القسم بل اتركوا هذا العنوان ولاحظوا المدير ,ولماذا المدير؟ لنأخذ المدير العام أو لنلاحظ يا جماعة كيف وصلت الرشوة الى رئيس المؤسسة ، والى وكيل الوزارة ولماذا الوكيل؟ لنأخذ…) ولكوننا نعرف أن هذا الرجل المهووس بالاسترسال سوف لن يقف عند حد فقد هجمنا عليه هجمة رجل واحد وأغلقنا فمه عند مفردة (لنأخذ) وأخرجناه من المقهى ليس خوفا عليه بل خوفا على أنفسنا!!