بعيد عنـــــــك !

مع كل مايقال عن تأثيرات المناخ العراقي السلبية على السكان ، حيث درجات الحراة العالية والبرد الشديد وشح الأمطار وكثرة العواصف الترابية ، التي جعلت من المواطن حاد المزاج سريع الغضب والانفعال ، أقول مع كل هذه التأثيرات السيئة للمناخ على نفسية المواطنين وسلوكهم ، ولكن هناك صورة مغايرة تماما حافظ العراقيون عليها وتمسكوا بها ، وهي أنهم شعب طيب الى ابعد حدود الطيبة . 

وقد انعكس ذلك على خلقهم الرفيع وكرمهم المفرط ونخوتهم النادرة وأدبهم الجم ، وربما نلتمس هذه المعاني السامية في خطابهم ومصطلحاتهم اللغوية .

اذكر مرة وأنا طفل في السادسة من العمر ان والدتي تعرضت لوعكة صحية وقد زارها خالي للاطمئنان عليها وسألها وهو جالس الى جانبها ( خير حجية ) فردت عليه ( بعيد عنك … صحتي تلف )  وشرحت له معاناتها الطويلة مع المرض …. هكذا هم العراقيون  حريصون على استعمال عبارات نبيلة في تخاطبهم مع الآخر كلما جرى الحديث او دعت المناسبة الى عرض مصائبهم اومكابداتهم او أمرضهم ، بحيث تكون  هناك مقدمة كلامية تشبه ( التعويذة ) لإبعاد السائل او السامع عن اي سوء او مكروه قبل ان يتحدثوا عن ( الكارثة ) التي حلت بهم من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ( اسم الله عليك .. اشو على غفلة صارت عندي دوخة وفقدت الوعي ونقلوني للمستشفى ) او ( الله يكفيك الشر … طلعت بالمظاهرة حالي حال الناس نطالب بتحسين الكهرباء اشو على غفله التواثي والكفخات من كل مكان على روسنا ) او ( ربي يحفظكم ويحفظ السامعين من كل مكروه …. الدكان مالي والدكاكين القريبة يمه شعلوا النار بيها إلي ميخافون الله وصفيت لا فلس ولا دينار ولا شغل ولا مشغلة ) وغيرها العديد من التعابير الشعبية المهذبة ! 

قبل 3 أسابيع سافرت الى اليابان ضمن وفد رسمي وذلك للمشاركة في احتفالات طوكيو بمناسبة اختراع أول مجموعة من ( الروبوتات) القادرة على الزواج والإنجاب وكان الوفد برئاسة معاون مدير عام الدائرة وهو رجل غاية في السذاجة وبالكاد يقرأ ويكتب ومستواه الثقافي يدعو الى الشفقة ولكنه إنسان في قمة الأدب والخلق و الطيبة لايحسن إيذاء احد ولايتوانى عن مساعدة الزاخرين .

كان المشاركون في الاحتفال من شتى بلدان المعمورة ، وكان في استقبالنا رئيس المفوضية العليا للإنسان الاولي الذي التمس برجاء شفاف من رؤساء الوفود تقديم البلد الذي ينتمون اليه بطرقة غير تقليدية وذلك بالإشارة الى أهم شيء يتميز به البلد او يعرف وهكذا تقدم رئيس اول وفد وقال (نحن من بلد القطب الأوحد في العالم ) ففهمنا انه الوفد الأمريكي وقال الثاني ( نحن احفاد الإمبراطورية التي كانت الشمس لاتغيب عنها ) فأدركنا انه الوفد البريطاني وقال الثالث ( لقد جئنا من بلد التوابل والفيلة ) فعرفنا انه الوفد الهندي وهكذا قدم رؤساء الوفود بلدانهم بهذه الطريقة الظريفة ثم تقدم رئيس وفدنا وصافح رئيس المفوضية وقال: ( بعيد عنك وعن السامعين نحن من العراق !) ابتسم الرجل الياباني فرحا ثم قال: ( مرحبا بالوفد المقبل من ارض السواد والحرف المسماري والعربة الآشورية ) وصفق طويلا!

غادر رئيس وفدنا المنصة وهو متجهم الوجه ، وخاطبنا منفعلا: ( تصوروا ياخوان …. انا اقول له – بعيد عنك – حتى لاتتعرض اليابان الى ماتعرضت اليه بلادنا من ويلات الإرهاب وهو يصف بلادنا بالسواد والمسامير والعربات، لابد ان نعاملهم بالمثل وننسحب احتجاجا !) وعلى مدى ثلاث ساعات ونحن نشرح له معنى ارض السواد و الحرف المسماري والعربة الآشورية ولم نقنعه بالعدول عن فكرة الانسحاب إلا بشق الأنفس !!