للمرة الأولى ألبي دعوة لحضور مناظرة سياسية على إحدى الفضائيات العربية ، لان القضية المطروحة للنقاش حساسة ، وعنوانها (السنة والشيعة الى أين ؟) وكان معي في الأستوديو ضيف من مدمني الظهور على الشاشات ، كما كان معنا من واشنطن مسؤول لجنة التنسيق (سابقا) بين المعارضة العراقية وبين وزارة الخارجية الأميركية … كنا ثلاثة في مواجهة قضية واحدة وكان واضحا من طريقة اختيارنا إننا نمثل 3 وجهات نظر متباينة ، وقد اكتشفت قبل بدء الحوار ، ان مقدم البرنامج منحاز الى الضيف المدمن على الفضائيات .
كان أول المتحدثين هو مسؤول لجنة التنسيق ، وذلك أمر لا يغضب أحدا ، فهذا الرجل الظريف الذي يحسن الكلام بالعربية الفصحى ، يعد من الناحية الواقعية بمنزلة ولي الأمر لنا جميعا ، وخلاصة ما ذهب إليه ، ان قضية السنة والشيعة ، هي واقع حال من مخلفات النظام الدكتاتوري ، وان هذه القضية قابلة للانفجار في أية لحظة ، ولكن أميركا بذلت جهودا مضنية ومازالت من اجل “تطبيع العلاقة” بينهما ، وقد قطعت شوطا طيبا على هذه الطريق !
وتحدث المدمن قائلا: [في الحقيقة لا أضيف جديدا الى التحليل الموضوعي والرؤية الصائبة التي ذهب إليها زميلي من واشنطن ، سوى التأكيد على ان قضية السنة والشيعة ستقود الى حرب أهلية لا مفر منها على الرغم من المساعي الأميركية المشكورة] !
كنت في اشد حالات امتعاضي عندما جاء دوري للحديث ، ولكنني تمالكت نفسي وخاطبت مقدم البرنامج بهدوء [سيدي … أنا احترم ماقاله الضيفان الكريمان ، ولكنني ابن العراق الذي يعيش هذه القضية عن قرب ، ولهذا …] وقاطعني الرجل متسائلا [هل تعني بانك تؤيد الضيفين وان قضية السنة والشيعة في طريقها الى حرب أهلية ؟!] ، وبالهدوء نفسه أجبته [معذرة … إنما أردت القول ، إنني أكثر احتكاكا ومعايشة بحكم عملي الصحفي ، واستطيع الجزم ، انه لا توجد بين السنة والشيعة قضية] ، استشاط المقدم غضبا وسألني [هل تنكر وجود سنة وشيعة في العراق ؟!] ، قلت له [أبدا … مثلما لا أنكر وجود مسلمين ومسيحيين ، وعرب وكرد … ولكنني اعترض على من يتحدث عن وجود خلاف بين المذاهب والديانات والقوميات] ، وفقد الرجل صوابه وسألني [ولكن يا أستاذ .. يا من تنكر ان الحرب الأهلية قادمة .. هل تستطيع إثبات ذلك ولو بدليل واحد ؟!] ، أجبته [الأمر بسيط .. انظر الى النسيج العراقي ، فانا من أب سني وأم شيعية ، وولدي سني وزوجه شيعية من الانباريين ، وابنة عمي سنية وزوجها شيعي من بابل و..] فقاطعني منفعلا [حالتك استثنائية و..] وقاطعته بدوري [أنت تجهل تركيبة البيت العراقي ، ان صديقي الشاعر تركي كاظم ، شيعي وأزواج بناته الثلاث سنة ، ولا يختلف الأمر مع صديقي الشاعر عيسى الياسري ، فزوج ابنته سني ، وزميلي الصحفي سلام الشماع ، شيعي ، وزوجه سنية ، ولا يختلف الأمر مع زميلي الصحفي واثق صادق .. هل تريد المزيد ؟!] لم يقتنع ، وقال مرتبكا: [سنلجأ الى الاستفتاء] وفيما عدنا الى حوارنا الساخن لمدة 15 دقيقة أخرى ، أعلن الرجل فجأة عن انتهاء الوقت المخصص للبرنامج ، وكانت نتيجة الاستفتاء تفيد على ذمته ، ان 98 % يرون ان الحرب الأهلية قادمة و 2 % فقط لا يرون ذلك ، ولم يبق له إلا ان يشكر ضيوفه على عجل ، تاركا المشاهدين في حيرة من استفتائه الغريب الذي يؤكد ان السنة والشيعة على أبواب قادسية ثالثة ستنطلق من فراش الزوجية !!.