انا والشيوعية !

لعلها الظروف السياسية، قبل متاعب “المعيشة” هي التي دفعت اسرتي الى الهجرة المبكرة التي سبقت معرفة العراقيين المتأخرة للتهجير، وهكذا غادرنا بغداد الى الفلوجة، والتحقت هناك في ثانويتها الوحيدة، طالبا في الصف الثالث المتوسط.

كان ذلك عام 1959 وكان عمري يومها 14 سنة، ولا بدّ ان استذكر بحزن ذلك الإحساس بالغربة المكانية، فقد وجدت نفسي بين ليلة وضحاها مقطوعا من شجرة، لا اصدقاء ولا معارف ولا علاقة مع الناس والجيران والشوارع، ولكن يجب الإقرار بأمر آخر ، وهو إقرار مقترن بالمحبة والعرفان بالجميل لزملائي طلاب الثانوية، فقد احتفوا بي احتفاء عظيما، وأكرموا وفادتي البغدادية حتى انسوني متاعب الغربة، فمن صحبة الى المقهى، الى استضافة في بيوتهم على دعوة غداء أو عشاء، ولازموني السوار بالمعصم، وبالغوا في تكريمهم بحيث اهداني احدهم كتابا اسمه (في سبيل البعث)، وتبرع الآخر بمظروف يحتوي على منشور (بعثي) ، ثم توالت الظروف والمظاريف والرعاية الرفاقية حتى طالبوني ذات يوم بدفع (تبرع شهري) اعتذرت عن دفعه، فأنا – قلت لهم – سليل عائلة لا تمتلك رغيف خبز فائضا عن حاجتها، وتم قبول اعتذاري على مضض، وقد ظل ذلك الاعتذار نقطة سوداء في روحي النضالية!!.

وكان ما كان، وعدت الى مرابع طفولتي البغدادية، وحدث انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 ، ولم اعد أتسلم منشورات، ولم يعد احد يعيرني بالنقص الحاد في روحي النضالية، وكنت يومها قد بلغت الثامنة عشرة من العمر، وبدلا من استثمار هذه المرحلة الشبابية – التي لا تأتي غير مرة واحدة – لاقامة شبكة جاسوسية من العلاقات الغرامية مع بنات الطرف، وبنات الثانوية المجاورة لبيتنا، أوليت اهتمامي الغبي لعالم الثقافة والأفكار والسياسة، ولهذا قرأت “الإخوان المسلمين” وتعرفت على حسن البنا وسيد قطب، ولازمت المسجد والصلوات الخمس وصلاة الفجر، ثم انتقلت الى الصوفية والبهلول والكرخي والحلاج وجنيد البغدادي ، فسحرتني طقوسها وأطلقت لحيتي ومزقت قميصي وطلقت الدنيا ثلاثا، وحرمت نفسي من لذة طعامها وشرابها ونسائها، وكدت أصبح اسما لامعا من أسمائها، لولا ان كتابا في الوجودية وقع بين يدي واطلعت عليه فأغراني، وقادني الى كتاب ثان وثالث وسارتر وكامو، وحلقت لحيتي ورتقت قميصي واستعدت عافيتي وحريتي، وهممت ان افتتح مدرسة مجانية لتعليم هذه الفلسفة لولا ان احد الأصدقاء طلب مساعدتي وأخفى كتابا لماركس مخافة عثور السلطة عليه. ولم اسأل نفسي يومها لماذا فكر ذلك الصديق بأن بيتي مثل بيت ابي سفيان ولم يمض اسبوع واحد حتى اصبح منزلي مأوى لرأس المال وانجلز ولينين وفهد وتعرفت عبر ضيوفي المطاردين على الجدل والديالكتيك وانواع الامميات وفائض القيمة والبروليتاريا الرثة ولان اولئك الرفاق كانوا اقوى من حصانتي الهشة فقد سيطروا على عقلي وسلوكي ولهذا سرت على سارتر ورحت ارتدي ربطة عنق حمراء وحذاء احمر وانظر الى الدنيا بعين حمراء وكان اعتراضي الوحيد على تلك الافكار الحمر هو انها تلغي الحكومة والجيش والشرطة والأمن والميليشيات وفيلق القدس الإيراني والحرس الجمهوري والمغاوير ورجال الصحوة وحلف الناتو والمارينز وحلف وارشو عند قيام النظام الشيوعي الاممي، أما البديل عنها فهو وعي الجماهير وقوة البروليتاريا وضمير العالم الجماعي .

في عام 2003 وبعد ثورة التاسع من نيسان المجيدة واجهت وضعا فكريا صعبا فأنا لا ادري ماذا اقرأ وأي حزب أؤيد وقد أحاطت بي من الجهات الأربع تنظيمات دينية واسلامية وطائفية وارهابية ويسارية ويمينية وليبرالية وقومية ووطنية وعميلة مرة واحدة، غير ان الأصعب هو بقاء البلاد بضعة أشهر “بلا حكومة” وهنا أود الاعتراف بأن اعتراضي على الأفكار الحمر لم يكن في محلة حيث اكتشفت مدى سعادة اي شعب من شعوب الأرض من دون حكومة تقوده وتسومه العذاب، فهو قادر على تدبير أمره والتمتع بحريته كاملة، ينام ويضحك ويبكي على هواه، ولا يضطر الى القتل أو الخطف أو السرقة في السر، بل تحت سمع وانظار اصدقائنا الحلفاء من دون حساب ولا عقاب لأنهم ليسوا حكومة شرعية ولا دائمية والحكومة العراقية غير مشكلة والأدهى من ذلك هو اكتشافي الخطير بأن (بوش الابن) شيوعي وابن بار للشيوعية ولكنه تعجل في تطبيق النظام الشيوعي الاممي قبل ان تتوفر شروطه الموضوعية في العراق بدليل انه الغى الحكومة ومؤسسات الدولة والاجهزة العسكرية والامنية بشتى صنوفها وقد فاته، أننا مازلنا نعاني من ضعف حاد في قوة البروليتارياو الضمير الجماعي!.