أشرت في حديث سابق الى ان لأميركا فضلا لا ينكره إلا مكابر، فهي وراء إسقاط الدكتاتورية وإشاعة الحياة الديمقراطية، ولكنها بالمقابل وراء مئات السيئات، كل سيئة منها تمحو حسنات الاحتلال مجتمعة، ليس ابتداءً من بذرة الطائفية المقيتة ولا انتهاءً بجعل العراق مرتعا خصبا للإرهابيين وأصحاب الأجندات السياسية والاقتصادية والمذهبية والقومية!
وأياً كان الأمر، ونحن نقرأ ميزان الحسنات، والسيئات وكفتيه غير المتوازيتين فان المشروع الاميركي ذهب في اتجاه، والحالمون بهذا المشروع والمتأملون منه خيرا، ذهبوا في اتجاه معاكس، وخابت أحلامهم وآمالهم فبعد مضي تسع سنوات عجاف يتساءل العراقي المرحب بالمشروع الاميركي، والرافض له، على حد سواء، ما نوع التكنولوجيا التي نقلتها الولايات المتحدة على ظهور دباباتها ومتون طائراتها وحقائب مسؤوليتها الكبار، وهم يروحون ويجيئون الى بغداد من دون استئذان وكأنها بيتهم الثاني؟ هل كانوا عاجزين عن حل مشكلة الكهرباء طوال تسع سنوات؟ ما هي البنى التحتية التي أسهموا في معالجتها او بنائها؟ ماذا قدموا في مجال الصناعة والزراعة والثقافة والحياة الجامعية؟ أين دور السينما والمسارح والملاعب الرياضية التي تم إنشاؤها على أيامهم؟ ما هي المعالم الفنية والعمرانية والسياحية والجمالية والترفيهية التي استقبلتها العاصمة والمحافظات الأخرى في ظل وجودهم؟ ما الذي تحقق على أيديهم من وعود الرفاهية والبطاقة التموينية؟! هل استعاد العراق دوره العربي والإقليمي والدولي والتاريخي والحضاري؟ وأدوات الاستفهام أمامنا ما زالت عامرة بالاسئلة ولكن اكثر الأسئلة حساسية هو: هل استطاع الأميركان كسب ود العراقيين وحبهم؟!
بل هل كانوا قادرين على ذلك ؟ أنا اعتقد أنهم كانوا قادرين على تحقيق قدر متواضع من المقبولية لو أنهم انسحبوا نهاية عام 2003 او في عام 2004 كحد اعلى اي بعد انتهاء مهمتهم (التحريرية) على حد تعبيرهم وكانوا قادرين على تحقيق تلك المقبولية لو تقدموا بالعراق خطوة واحدة ملموسة الى الأمام باتجاه خدماته وامنه وسياسته الداخلية والخارجية، ومن هنا كانت سنوات الولايات المتحدة سنوات قطيعة تامة بينها وبين الشعب العراقي معبرا عنها بنخبة المثقفين على وجه الخصوص، وقد أسعدني ما ذهب اليه أستاذي اللامع ياسين النصير في هذا المجال عندما يقول، يكفي الثقافة العراقية فخرا ان (ليس من قصيدة او قصة او مقالة مجدت ثقافة الاحتلال، ولا من أديب او مفكر وطني، ساند وجود الاحتلال) ملحق (الطريق الثقافي ـ العدد 47)، فإذا تجاوزنا لغة المثقف الى لغة ابن الشارع فاشهد، ان أطرف تعليق معبر وقفت عليه، كان في مركبة نقل عامة، حيث جرى الكلام عن الانسحاب، فقال احدهم (دفعت مردي وعصاة كردي)، وهو في حدود علمي من الأمثال الشعبية التي تستعمل عند الغضب من احد أو النفور منه أو طرده وفي حدود علمي كذلك ان المردي هو عمود خشبي طويل نسبيا، يتم اعتماده لدفع الزورق في المياه الضحلة، وخاصة الاهوار اما عصا الكردي فتمتاز بالمتانة والقوة لأنها مما يلائم المناطق الجبلية صعودا ونزولا واتكاء، وبذلك جمع هذا المثل البسيط، العراقيين من الهور الى الجبل عند موقف واحد، و(ربما) كنا نأمل ان يترك أولاد العم بوش شيئا طيبا وراءهم للذكرى علّنا نقول حينها: اذكروا محاسن موتاكم، ولكن المشكلة كما يقول أهلنا في تعابيرهم الدارجة، ان (الميت ميتنا ونعرف شلون منبوش صفحة) وانه يستحق المردي والعصا… واللعنة!!