جيل جاكيه مهمة خاصة جداً

حين قتل جيل جاكيه الصحفي في القناة الثانية الفرنسية في مدينة حمص السورية، أدركت باريس أن ثمة فضيحة في الأفق، ولم يكن أمامها سوى الإيغال في الضغط على دمشق واتهام القوات الأمنية السورية بمقتل جاكيه، خاصة وأن دمشق، المنهمكة بمحاولة الدفاع عن نفسها إزاء الزخم الإعلامي العربي والدولي الذي يتهمها بقتل الشعب وانتهاكات حقوق الإنسان، لم تجد فسحة كافية من الوقت لتمحيص مقتل جاكيه، واكتفت بدور الدفاع من جديد.

هل كان جاكيه في مهمة صحفية لبرنامج مهمة خاصة أم كان في مهمة أخرى يمكن وصفها بـ»مهمة خاصة جداً».

قبل الإجابة على هذا السؤال الذي يبدو تأويليّاً في أوّل الأمر، لنرى الأمر من بدايته.

في مطلع كانون الأوّل الماضي تلقت الحكومة السورية رسالة رسمية من مؤسسة التلفزيون الرسمي الفرنسي طلبت فيها رئيسة تحرير البرنامج الذي يعمل لصالحه جاكيه «مهمة خاصة» وهو البرنامج السياسي الأكثر مشاهدة في فرنسا، طلبت تأشيرة دخول لجيل جاكيه إلى سوريا، مدعيّة أنها تريد التأكد من الرواية السورية للأحداث والتي تقول «أن الجنود السوريين هم ضحية كمائن واشتباكات مع المجموعات المسلحة التي تعبث بالبلاد». وتضيف في رسالتها أنها تطلب أن يستطيع جاكيه متابعة يوميات جنود الفرقة الرابعة المدرعة السورية والتي يقودها شقيق الرئيس السوري ماهر الأسد واللواء المدرع الثامن عشر الذي يقوده الجنرال وجيه محمود. وقد فوجئت السلطات السورية بهذه الرسالة ولم ترد عليها.

إلا أن جيل جاكيه تمكن من دخول الأراضي السورية بطريقة أخرى. فقد طلب عن طريق راهبة من طائفة الروم الكاثوليك هي الأم إنياس مريم دولا كروا التي تحظى باحترام السلطات السورية، أن تنظم أوّل وفد لصحفيين غربيين منذ بداية الأزمة، وقد نجحت بتنظيم زيارة الوفد الذي كان ضمنه جاكيه وفريه التلفزيوني.

الروايتان الفرنسية والسورية عن مقتل جاكيه مختلفتان، بل ومتناقضتان، ولا تعنيني في حقيقة الأمر أي من الروايتين، ولكن ما يعنيني حقّاً، هو رواية أخرى محايدة، لكنها تكشف عن فضيحة مدويّة لو حصلت في غير منطقتنا لأقامت الدنيا دون أن تقعدها.

الحقيقة–الفضيحة، كشفها فريق صحفي روسي قدم عرضاً مختلفاً تماماً للروايتين الفرنسية والسورية، فحسب الفريق الروسي فإن جاكيه قاد تحت غطاء صحفي عملية لصالح الاستخبارات العسكرية الفرنسية باءت بالفشل. وأن الاتهام الفرنسي ليس سوى عملية تغطية على مسؤولية فرنسا في التحركات الهادفة لضرب استقرار سوريا.

يقول بوريسف رئيس الفريق الصحفي الروسي، إن نشر صور مخطوفين إيرانيين في سوريا بصحيفة فرنسية، كان يشي أن ثمة علاقة بين الخاطفين والاستخبارات الفرنسية، وان هذا الأمر مدعاة للشك أن تكون مهمة جيل جاكيه الذي أصر على أن لا ترافقه أي حماية في حمص قد يكون مكلفاً بمهمة ما تتعلق بالمخطوفين الإيرانيين.

كما يمكن فهم الحالة العصبية للسفير الفرنسي في دمشق في ظرف كهذا حيث يمكن أن يكون جيل جاكيه قد قتل على يد المسلحين في حمص وأن يتأثر التحالف التركي – الفرنسي أو أن نصل إلى حرب أطلسية على سوريا.

والسفير الفرنسي في دمشق الذي لم يكن لديه الوقت الكافي لإعادة ترتيب الأحداث وجمعها قام بمحاولة منع السوريين من فعل ذلك. وبعكس الأعراف الدولية رفض تشريح الجثة، لكن السوريين فعلوا ما يمكن فعله.

بالتأكيد مقتل جاكيه كارثة للإيرانيين والسوريين أوّلاً لأنه قتل على الأراضي السورية وثانياً لأن مقتله حرمهم من فرصة ثمينة لمعرفة مكان المخطوفين والخاطفين.

هنا أعيد التساؤل: هل كان جاكيه في مهمة صحفية، أم كان في «مهمة خاصة جدا»؟