أغلب الظن إنه عام يعود الى أواخر العقد الثمانيني من القرن الماضي وأنا اجلس وراء مكتبي في مجلة «ألف باء» منهمكا بإنجاز مادة صحفية ، حين توجه نحوي الزميل مجيد السامرائي، وهو إعلامي متميز أشهد له بعلو القامة، واتخذ له مقعدا الى جانبي، ومن دون مقدمات مّد يده وأخذ قلمي وأوقفني عن الكتابة، وقال لي: (هل تعلم إنك أفضل صحفي في العراق، وأنا أفضل ثاني صحفي) ، اربكني سلوكه وإن لم يكن غريبا عليه، قبل أن أنفجر ضاحكا من فكرته، فقد كنت وما زلت أنظر الى نفسي طارئا على الصحافة، وفي أحسن الأحوال مبتدئا يتعثر في عالمها الفسيح، ولكن السامرائي ما كان مستعدا لتغيير قناعته لو أنقلبت السماء على الارض، حتى إذا انتهى من تنصيبي وتنصيب نفسه في أعلى منصبين، انتقل الى الخطوة الثانية، وسألني عن طبيعة علاقتي مع رئيس التحرير، فأجبته إنه واحد من أعز اصدقائي، وعلاقتي معه تمتد إلى عقد الستينات، فلما اطمأن، انتقل الى الخطوة الثالثة وسألني عن مبلغ (العقد) الذي اتقاضاه من المجلة، فأوضحت له أن عقدي هو (200) دينار، ويبدو انه انتهى من خطوات الاستجواب كلها ليصل الى النتيجة التي لم اكن اتوقعها، فقد قال لي بسعادة ، وبما يشبه الأمر واجب التنفيذ…
(الان تذهب اليه وتخبره انك افضل صحفي في العراق وعقدك 200 دينار ويجب ان يكون 600 دينار، وإن مجيد السامرائي ثاني أفضل صحفي وعقده هو 150 دينارا ويجب ان يكون 400 دينار) ، ثم سحبني من يدي ولم يترك لي فرصة الرفض أو الاعتراض أو ابداء الرأي، فقد كان يتحدث عن افكاره وكأنها حقائق ثابتة وطبيعية غير قابلة للنقاش!!
توجهت الى غرفة رئيس التحرير منفوش الريش، أكاد انفجر من النرجسية، استقبلني الرجل بترحاب كبير، وما أن جلست حتى قلت له، (نحن اصدقاء وارجو ان لا تغضب من كلامي) استغرب من لهجتي وقال لي، (أنا بالذات لا يمكن أن اغضب منك) ، شجعتني عبارته الرقيقة وقلت له، (أنا افضل صحفي في العراق ويجب أن يصل عقدي الى 600 دينار شهريا في الحد الادنى، ومجيد السامرائي، ثاني أفضل صحفي في العراق، ويجب أن يتقاضى في الحد الادنى 400 دينار شهريا) !!
تأملني الرجل وهو لا يصدق أذنيه، وتململ قليلا في كرسيه الدوار ثم قال لي: (نحن اصدقاء وأرجو أن لا تغضب من رأيي) فأجبته: (أنا بالذات لا يمكن أن اغضب من رأيك) وشجعته عبارتي الرقيقة على ابداء رأيه من دون محاذير، فقال لي: (هذا يعني انك والسامرائي تطلبان ألف دينار في الشهر، وانا قادر أن استكتب عشرة محررين بهذا المبلغ، كل واحد منهم أفضل منك ومن مجيد مئة مرة) وتغيرت وجهة الحوار بيننا في الحال وتحدثنا عن آخر اخبار الفنانات، ثم روى لي نكتة… ورويت له نكتة، وضحكنا كثيرا، وغادرت المكان وقد تساقط ريشي وذبلت نرجسيتي، وأسرعت الخطى لأصب جام غضبي على ثاني أفضل صحفي الذي غادر المجلة ولم يعد الى الدوام إلا بعد ثلاثة أيام حيث هدأت ثورتي وتماثلت إلى الشفاء!!