واخيرا تزوجت ليلى بعد طول انتظار، وفرحنا جميعا لزواجها وأقمنا لها حفلا يليق بحبنا لها، فهي أحلى بنات قبيلتنا الكبيرة، وأكثرهن جودا، وأغناهن مالا، وافضالها على الجميع لا تحصى ولا تعد.
مضت 6 أشهر على انتقالها إلى بيت الزوجية، ولم تظهر عليها أعراض الحمل ، وهذ أمر يدعو إلى القلق في أعرافنا الأجتماعية، لأن المرأة إذا لم (تتوحم) بعد شهرين او ثلاثة على زواجها، تبدأ الوساوس، فربما تكون عاقرا، فإذا مضى الشهر الرابع والخامس من دون (علامات)، راح الجو يتأزم بين أسرتي الزوجين مع تلميحات بالطلاق، وهنا يتدخل العقلاء وينصحون الزوجين بالمراجعة، وهذا ما حصل مع ليلى وزوجها، فكانت لهما رحلة شاقة طويلة ما بين المستشفيات وعيادات الأطباء ومختبرات التحاليل والدراويش والأضرحة والسحرة والطب الشعبي.
كانا متشبثين بأية بارقة أمل، محفوفين بدعاء الجميع، وانتهى العام الأول وأعقبه الثاني والثالث من غير بوادر، وهما لا ينفكان عن المراجعة، ثم أنصرم أكثر من عقد والحال على حاله، حتى كاد اليأس يغلب عليهما، ولم نكن من جانبنا نعدم وسيلة للمساعدة إلا قدمناها وكلما سمعنا خبرا عن طبيب حاذق او رجل صالح، سارعنا وأخذناهما اليه، وفيما كان الحزن يتعاظم في النفوس، سرى كلام بين الناس عن طبيب أجنبي قام بعلاج حالات مماثلة وحقق نجاحات باهرة، فكان لابد من عرض ليلى عليه، ولكن العشيرة رأت في ذلك عيبا، إذ كيف يتولى رجل غريب هذه المهمة، وما بين رافض ومؤيد تمت الموافقة، وقام الطبيب بالكشف عليها، وأجرى لها عملية جراحية، واعطاها العلاج اللازم، وبشرنا إنها ليست عاقرا، وما هي إلا أشهر قلائل حتى انتفخ بطنها وظهرت أعراض الحمل، فكانت فرحة ما بعدها فرحة!
دخلت ليلى شهرها التاسع، وهي محاطة برعاية الجميع، وذات صباح ربيعي شاع الخبر السعيد بين الناس، فقد وضعت مولودها، وكان ذكرا، وليس الذكر كالأنثى، فعمت البشرى وأنطلقت الزغاريد ونحرت الخراف وأقيمت الولائم والاحتفالات وتوافد الأهل والأقارب وأفراد العشيرة ووجهاء القبيلة لتقديم التهاني والتبريكات والهدايا، وعلى مدى شهور وسنوات لم تهدأ الهوسات العربية والدبكات الكردية والرقصات الآشورية والأغاني التركمانية، كان الكل مبتهجا غارقا في السعادة، إلا ليلى فهي الوحيدة ظلت صامتة وحزينة، لأن المولود الذي بين يديها كسيح مشوه، لا تستطيع إخفاءه ولا إظهاره، ولا تدري ماذا تقول للمحتفلين وكيف تواجه سعادتهم الغامرة، وكل ما كانت تتمناه في تلك السنوات العصيبة لو أنها لم تلد ولم تولد!!