لا جدال في حق فلاديمير بوتين في فترة رئاسية ثالثة، تفصل بينها وبين الفترتين الماضيتين، فترة رئاسة ميدفيدف، كان خلالها بوتين رئيساً لروسيا، لكنه يمارس صلاحياته من موقع رئيس الوزراء، في لعبة سياسية انتخابية، أطلق عليها المحللون السياسيون لعبة تبادل الأدوار بين الرجلين، لا جدال في ذلك، طالما يضمنه الدستور الروسي، ولكن لا جدال أيضاً في حقّ شرائح واسعة من الشعب الروسي برفض هذه الهيمنة على الشخصية التي امتدت لاثني عشر عاماً على القرار الروسي، خاصة عندما يرتبط هذا الرفض بالتشكيك بنزاهة الانتخابات التي أُجريت في الرابع من كانون الأول الماضي، التي فاز فيها حزب بوتين وتمهد لفوزه الرئاسي في آذار المقبل.
معارضو بوتين يتحدّونه، كما يتحدّون موجة البرد القارس التي أودت بحياة الآلاف في أوربا، يقولون إنهم مستمرون بالاحتجاجات حتى تعاد الانتخابات التي يزعمون أن ثمة تلاعباً بنتائجها أدى إلى فوز حزب بوتين، أنه غضب شعبي من نوع آخر، غضب ديمقراطي، لا يدمر الممتلكات العامة، ولا يرفع فيه السلاح، ولا مظاهر للبلطجية والشبيحة، المافيا الروسية على الحياد، والشعارات المطروحة دقيقة وبسيطة وواضحة: «روسيا بلا بوتين» و»اعيدوا لنا الانتخابات».
الرجل الذي يصفه خصومه بـ»الحيوان السياسي» الذي يلتهم من يقف بطريقه بسهولة وتلذّذ، له مريدوه أيضاً، وهؤلاء لم يركنوا إلى الصمت وسط ضجيج المعارضين، بل نظموا مسيرات تأييد حاشدة، وسط الأجواء الجليدية أيضاً، هم روس أيضاً، لكنهم روس بوتين الذين يرون فيه بطلاً قومياً من نوع آخر، بطلاً، أعاد لروسيا مكانتها العالمية، واستعاد أمجاد القياصرة والشيوعيين على حدٍّ سواء، هؤلاء يذكرون أولئك بسلبية بوريس يلتسين الذي أصبحت روسيا في عهده، مجرد شجرة يابسة في القرية الكونية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأميركية، تتبعها في تسلسل التأثير الدولي، الصين واليابان والهند. هذا استثناء واضح كما ترون لأوربا، ربما بفعل تبعية حلف الناتو لواشنطن أيضاً، أليست القوة هي من يقرر حجم الحقّ؟ دعونا نتذكر وسط ضجيج الجليد الروسي قول شاعرنا المنسي بلند الحيدري «الملكُ أساسُ العدلِ، أنْ تُملُكَ سكّيناً، تملكُ حقّك في قتلي».
هل هو استقراء مبكر لعالم القطب الواحد وحقبة الحرب الباردة؟ لكن من قال أن الحرب الباردة وضعت أوزارها؟.
بوتين عائد للكرملين في الرابع من آذار المقبل، وسط احتجاجات لم تكن متصورة قبل أشهر عديدة، قد تكون عودته متضرّرة بفعل حجم الاحتجاجات التي سبقتها، بل قد تكون الاحتجاجات مصاحبة أيضاً لعودته، في هذه الحالة سيزداد التهديد الذي تواجهه شرعية بوتين حتى رغم أن المعارضة ليست سوى جماعات متّحدة بشكل فضفاض وتضم مجموعات مختلفة مثل القوميين واليساريين والليبراليين وأنصار البيئة، لكن درجة الحرارة التي رافقت المحتجين والتي وصلت إلى 22 درجة تحت الصفر، تشي بسخونة القادم من شكل الاحتجاجات.
«نحن نواجه نضالاً صعباً طويلاً ضد أوغاد ولصوص قساة. إنّه ماراثون يتعين علينا كسبه»، هكذا يصرخ السياسي المعارض بوريس نيمتسوف، لكن مناصري بوتين يصرخون أيضاً، إنه رجل المرحلة، دعوه يعمل، دعوه يمر.