عبر رحلتي الإذاعية الطويلة، أعددت عشرات البرامج المنوعة، كان أحبها الى نفسي، برنامج بعنوان (كلمة في ساعة)، لأنه ذو طبيعة ثقافية تجمع شتى فنون المعرفة، فأنا أتناول مفردة (العين) على سبيل المثال وأتابع معانيها في القاموس ثم في الكتاب الكريم لأقف على عدد المرات التي وردت فيها والدلالات الاستعمالية لها..
فهي النظر وعيون الماء والأمر.. الخ ، حتى اذا فرغت من ذلك، تابعتها في الجغرافية كمدينة العين وعين ترمة والعين السحرية وعين الحلوة.. الخ ، ثم في الأمثال الفصيحة والعامية وكذلك في الشعر العربي قديمه وحديثه، وما قيل من أبيات غزلية جميلة في العيون والوانها وما لحق بها من تشبيهات بلاغية ليس ابتداء بعيون المها او التي في طرفها حور، ولا انتهاء برائعة السياب (عيناك غابتا نخيل) ، ولا يفوتني بالطبع أن امر على هذه الكلمة في المشهور من الاغاني العراقية والعربية..
وهكذا كنت أتقلب بين خمسين مصدرا او يزيد، وفي ذلك جهد ما بعده جهد، ولكن الجهد الحقيقي كان في اختيار المفردة نفسها، لأنه يمثل معضلة كبيرة بحد ذاته، حيث لا يبدو من السهل متابعة كلمة واحدة على مدى 60 دقيقة، لأن اغلب الكلمات يندر وجودها في الشعر أو الجغرافيا أو الأمثال.. الخ ، ومن هنا كنت استعين بأصدقائي لمعاونتي في البحث عن مفردات متعددة الاستعمال والمعاني، وكانوا مشكورين لا يبخلون بذلك، وقد اتصل بي احدهم في بداية العام الميلادي الجديد، واقترح عليّ مفردة (بدون)، لأنها ذائعة الصيت، واسعة الدلالة، غير انني بعد عناء عظيم، لم اتوصل إلا الى بضعة ابيات شعرية وبضع معلومات شحيحة لا تغطي اكثر من 10 دقائق، والمطلوب مني 60 دقيقة ، ولهذا اتصلت به وعاتبته، لأنه ورطني مع كلمة نادرة الاستعمال، ولكن الرجل استغرب من كلامي واتهمني من باب (الميانة)، بالبلادة والبلاهة، وقال لي بامكانك الحديث في برنامجك عن (البدون) في الكويت ومشكلتهم واصل تسميتهم بهذه التسمية، وبإمكانك الحديث عن وزارة الدفاع العراقية وهي (بدون) وزير، ووزارة الداخلية وهي (بدون) وزير، والمخابرات وهي (بدون) مدير، ومجلس الوزراء وهو (بدون) قانون، والفساد المالي والإداري وهو (بدون) حساب، ومشكلات المحاصصة والبطالة والكهرباء وهي (بدون) حل، والمستورد من الأطعمة الفاسدة والادوية المشبوهة وهي (بدون) رقابة، واسترسل في كلامه من غير توقف، هناك تلامذة (بدون) مدارس، ومعتقلون (بدون) محاكمات، وحياتنا (بدون) …
فقاطعته معتذرا، وقد اكتشفت انني بليد حقا، فلو فكرت قليلا وتأملت الأمر بعناية، لأدركت ان مفردة (بدون) تحتاج الى برنامج اسمه: كلمة في 24 ساعة!!