العنفُ يستشري في أكثر من مكان في العالم. الصومال على سطح صفيح ساخن، وأرتيريا كذلك، مصر لم تستعد استقرارها، وتونس تبحث عن ملامحها الجديدة. اليمن تجاوزت عنق الزجاجة بعد الانتخابات الأخيرة، لكنها لم تدر حتى الآن إن كان هذا التجاوز إلى خارج حدود الزجاجة، أم إلى داخلها، والتفجيرات الأخيرة تضع البلد أمام غابة من علامات الاستفهام، يتعلّق أغلبها بالحراك الجنوبي الذي سيشطر اليمن شبه السعيد من جديد، إلى يمنين. المجاعة تفتك بالملايين من البشر، أغلبهم من الأطفال، لاسيما في أفريقيا المبتلاة بالجوع والمرض. الكوارث الطبيعية تعبث بأمن الشعوب المستقرة، هل هي لعبة توازنات تقوم بها الطبيعة نيابة عن البشر؟.
وسط هذا المشهد الكوني الملتبس، ثمة دور على منظمة الأمم المتحدة أن تلعبه للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، بل عليها أن تلعب هذا الدور بشكل كامل، يزيح عن كاهل الشعوب شبح الحروب والجوع وفواجع الطبيعة. أليس هذا ما يقبض موظفو المنظمة الدولية رواتبهم الضخمة من أجل القيام به؟. بالمقابل: أليس منصب الأمين العام هو الذي يحدّد وبشكل فاعل، دور المنظّمة في كل تفاصيل المشاهد الكونية الملتبسة؟.
دعونا نجري مقارنة بسيطة لدور المنظمة الدولية في حل مشكلات العالم في مرحلة كورت فالد هايم، ومرحلة بطرس بطرس غالي. سنصل الى إجراء المزيد من المقارنات بين أمين عام وآخر، منذ تأسيس المنظمة الدولية.
الأمر يتعلّق بشخصية الأمين العام للمنظمة الدولية كما أسلفت، لكنه يتعلّق بالظروف الدولية أيضاً. فالد هايم استفاد من الصراع الدائر آنذاك بين القطبين المتحكمين بمصائر العالم، ووظّف الحرب الباردة في اتخاذ قرارات المنظمة الدولية، بما ينسجم مع لعبة توزيع النفوذ والحد الأدنى من استقلالية عمل المنظمة، أما بطرس غالي، فإنه كان شاهدا على انهيار القطب الثاني، لكنه «شاهد مشافش حاجة». بمعنى آخر كان شاهد زور على عربدة الولايات المتحدة الأميركية في أكثر من بقعة في العالم. وكل من أعقب الرجل كان مرتهناً إلى حد ما للقرار الأميركي، مع وجود سيناريوهات داخل أروقة المنظمة الدولية، تصل أحياناً إلى الكوميديا المفضوحة. أما آخر عنقود الأمناء العامين للمنظمة الدولية، صديقنا، كي مون، فإنه ومن خلال متابعتي لنشاطه في السنة الأخيرة، سنة الربيع العربي، فأنني أجده أقرب إلى مراسل في قناة الجزيرة أو العربية، أكثر منه أميناً لمنظمة بحجم الأمم المتحدة. القناتان تختزلان العالم بكل حجم الدماء البريئة التي تراق وحجم الكوارث والجوع والمرض، في سوريا، وأية نشرة إخبارية لإحدى القناتين تفضح انهما مكرستان تماماً للأزمة السورية، والأمين العام أيضاً، فالرجل يبدو غير معني بمتابعة قضايا العالم والاهتمام بالسلم والأمن الدوليين، بل أن اهتمامه ينصبّ على الأزمة السورية، ليس من باب إيجاد الحل المناسب، عبر تشكيل لجنة مساعي حميدة بين الحكومة والمعارضة، بل عبر اتهام الحكومة السورية بارتكاب مجازر بحق الشعب السوري، وانصب اهتمام كي مون على مدينة حمص السورية، ما دعا ممثل سوريا الدائم لدى المنظمة إلى القول، أن الأمين العام اعتمد في تقييمه على الشائعات.
صديقنا كي مون يتماهى، في تناوله للشأن العربي، مع مواقف الغرب، المغرضة في أغلب الأحيان، بل أنه يتقدم عليها في الرياء وادعاء الحرص على حاضر ومستقبل الشعوب العربية. الموقف من ما يجري في حمص، ليس سوى مقطع من مشهد سيتكرر في أكثر من مدينة عربية. لا تتفائلوا.. القدس وغزة والضفة الغربية، غير موجودة على لائحة صديقنا كي مون، لأنها وفق حساباته.. ليست موجودة على خريطة الأمم المتحدة..