بدأت سيرتي (الثقافية) المبكرة وانا في عمر 14 سنة، بقراءة الصحف والمجلات العراقية والعربية من اليسار الى اليمين، اي من صفحة التسلية حيث الكلمات المتقاطعة والفوارق بين الصور والمتاهات، وصولا الى الصفحات الاولى حيث الافتتاحية والمواضيع السياسية.
ويبدو ان هناك حكمة اعلامية وراء تقديم المواد الصحفية (الدسمة) مثل الاخبار والافتتاحيات والتحليلات السياسية على صفحات التسلية، التي تعرف باسم (الاستراحة)، لأن القارئ يخرج من تلك المواضيع الدسمة، وهو يعاني في اغلب المرات من حالات ألم مفاجئ، في القولون، وشعور بالغثيان، زيادة على تشوش فكري واضطراب في الرؤية، ولابد أن خير علاج مفيد وسريع، هو الانتقال به الى الصفحات الأخيرة، التي عادة ما تكون عامرة بصور الحسناوات والمعلومات الظريفة والطرائف وزواج الفنانات وطلاق الفنانين، إلى جانب الحزورات والكلمات المتقاطعة وغيرها من مفردات التسلية، التي تنتشل القارئ من دوخة الرأس، وتعيد إليه توازنه النفسي!
من دون حياء او حرج، اعترف أن (ثقافتي) المبكرة ابتعدت تماما عن متاعب السياسة وتحليلاتها ولغاويها، ولهذا حافظت على سلامة صحتي وافكاري وحصرت اهتمامي بالمنوعات والتسالي، وقد تركزت عنايتي بفقرة (الفوارق بين الصورتين) او الرسمين، فلم يعد شيء في الجريدة او المجلة يستهويني مثل إيجاد الفروق، حتى أصبحت بعد خمسين سنة من هذه المتابعة الجادة الى حد الهوس، خبيرا يشار إليه بالبنان، وامتلكت من قدرات التركيز والانتباه ودقة الملاحظة ما لا يمتلكه أحد غيري على وجه المعمورة، بحيث إذا طلب المطبوع تأشير الفوارق الخمسة مثلا، اعثر على ستة فروق، وفي زمن قياسي، وربما كان من حقي التباهي ان اذكر باعتزاز، المسابقة الدولية لفوارق الرسوم التي اقيمت في مدينة بنسلفانيا الاميركية وشارك فيها 126 متسابقا يمثلون 98 دولة، حيث رفعت اسم العراق عاليا ونلت المركز الأول بعد ان استطعت تأشير الفروق في نصف دقيقة من الوقت المحدد وهو عشر دقائق، وكان الفائز الثاني من اليابان الذي توصل الى الحل في ثلاث دقائق، أي أنني تغلبت على اقرب المنافسين -وهو من بلد معروف بذكائه ودقة ملاحظته- بدقيقتين ونصف، وهو الأمر الذي أثار اعجاب الجميع، وتحدثت عنه وسائل الاعلام الاميركية كثيرا!
قبل مدة نشرت احدى الجرايد صورتين متشابهتين، احداهما كتب تحتها (قبل قمة بغداد)، والاخرى (بعد قمة بغداد) وذكرت ان هناك 7 فوارق بينهما، واعطت مهلة قدرها (15) دقيقة لاكتشاف التباينات، وقد ضحكت في سري، لأن الجريدة، بدت وكأنها تسخر من قابلياتي عندما اعطت مثل هذه المهلة الطويلة، وهكذا أمسكت بالقلم، ورحت ابحث على طريقتي السريعة في تحديد الفوارق، وانصرمت المهلة المحددة ولم اعثر على أي فرق، ومضت 30 دقيقة من غير جدوى فشعرت بالانزعاج وغادرت البيت واشتريت علبة سجائر، وعدت الى التدخين بعد ان تركته منذ سنتين، وحاولت من جديد والزمن يمر، انصرمت 15 ساعة ومضى الاسبوع الاول والثاني واستهلكت قرابة اربعين علبة سجائر، وفشلت تماما في العثور على فرق واحد، ورفعت الراية البيضاء وأنا اشعر بالخيبة ومن يومها لم أعد ابحث عن الفوارق!!