صوت العشيرة !

الشتيمة فن والشتائم أنواع ومدارس، هناك التقليدية مثلا والكلاسيكية والرومانسية، وهناك الحديثة كذلك، وفي العراق توصلنا إلى (ما بعد الحداثة) وهي شتائم غير مفهومة وتتسم بالغرابة، ويرى بعض علماء الاجتماع المغرضين أن الشعب العراقي متفوق على شعوب العالم في فنون الهجاء والانتقاد والشتيمة، بل هو أفضل المبتكرين في هذا المجال، مستشهدين بالمتنبي أمير القصيدة العربية على مر العصور ، حيث كان يبتدع شتائم تزلزل الأرض ولذلك تطور هذا الفن، -كما يزعمون – تطورا لافتا للنظر وليس أدل على ذلك من شجار عابر بين اثنين، وان كانا صديقين، حتى يبتدع كل منهما من مفردات الانتقاص والرذائل والعيوب، مالم تعرفه قواميس الشتائم ، ولم تبلغه «نقائض» جرير والفرزدق !! 

لا يختلف الأمر في السياسة شيئا، فنحن لا نرحم خصومنا ، ولا نبقي خطا من خطوط الرجعة إلا  وقطعناه من الوريد إلى الوريد، فبعد 14 تموز 1958 وصفنا النظام الملكي بالرجعي والإقطاعي والمتخلف والعميل، وألغينا هويته الوطنية في لحظات (فرح) انفعالي، كما ألغيناها من قبل في لحظات (غضب) انفعالي وأسقطنا عنه الجنسية العراقية، لو عمدنا إلى قليل من التروي والأناة في إصدار الأحكام لكان بمقدورنا أن نرى الوجه الآخر للنظام الملكي، نعم هو لا يخلو من أخطاء وملاحظات لكنه يمتلك الكثير من العناصر الايجابية فهو دولة قانون ومجلس اعمار وحكومة كفاءات، ولم يرد على أيامه مفهوم الأقلية والأكثرية والسنة والشيعة والمحاصصة والفساد المالي والعرب والكرد والأقاليم والمسلمين والمسيحيين، ولهذا تولى حقيبة المالية وزيرا يهوديا، وهذه وزارة سيادية يسيل لها اللعاب، وهذا الوزير بمفاهيم عصرنا من الأقلية الدينية، ولا يمكن استيزاره وان كان عبقري زمانه، وقد ظل المنهج الملكي (اعني منهج القانون والكفاءة والنزاهة) سائدا إلى حد كبير على عهد عبد الكريم قاسم! 

المكونات السياسية التي تقود السلطة اليوم في العراق الجديد، تتحدث طويلا وتزعم كثيرا، أنها عانت الويلات من النظام الدكتاتوري السابق وهي صادقة وناضلت معا في خندق واحد لإسقاطه غير إنها ما أن اختلفت لاحقا فيما بينها على رقعة السلطة ومساحتها ومغانمها ومكاسبها حتى قطعت حبل الود القديم بنصل حاد ونسيت طريق «النضال» المشتركة وراحت تتبادل التهم العظمى علنا او تلميحا وكشفت أسرارا وأوراقا مستورة ثم لم تتورع عن وصف بعضها البعض ، بالإرهاب مرة والعمالة مرة أخرى وسوء النية عند تفسير أية كلمة وأي تصريح في كل المرات! 

نحن «نحسن» جدا شتم الآخر واتهامه وإسقاطه وإزاحته عن دربنا بأية وسيلة مهما كانت وبأي ثمن مهما كان ، بمجرد أن يتباين معنا في الرأي أو الرؤية أو الاجتهاد لأن حاسة التملك عندنا طاغية، والدروب جميعها حكر لنا، وعلى الخصم أن يسلك دربا بعيدة وعلة ذلك أننا لا ننتمي إلى صوت الحرية ولا الديمقراطية، إلا في اسطواناتنا المشخوطة، بل ننتمي في الحقيقة والأصل والجوهر إلى «صوت العشيرة» الكامن في أعماقنا، ذلك الصوت المهيب المجلجل الذي يقول:

جاهل من الأكثرية ولا عالم من الأقلية، وكافر من عشيرتي ولا مؤمن من عشيرتك!