على حين غرّة، وجدت نفسي كبير الأسرة بعد وفاة والدي، وكان عليّ الحفاظ على تقاليدها وإلا وصفوني بالابن العاق، وهكذا رحت كما كان يفعل أبي، استقبل كل جمعة على الغداء أشقائي وشقيقاتي مع عائلاتهم ويبلغ العدد في حالة اكتمال النصاب إلى 34 شخصا، لا ادري كيف كان والدي يطيقهم خاصة ذلك الفصيل الشيطاني من الأطفال، الذين لا يقع شيء في المنزل بعيدا عن عبثهم ، ولا تمر زيارة من دون تحطيم عدد من الأواني او تخريب جهاز كهربائي، ومع ذلك كانت أمي تشعر بسعادة لا تصدق، وكأنها تباهي في سرها أنها وراء إنجاب هذا الحشد الهائل من الأبناء والأحفاد!!
جرت العادة بعد الانتهاء من وجبة الغداء التي تكلفني في المعدل العام قرابة (200) ألف دينار وكأنني نقيب الصحفيين او عضو برلمان او تاجر جملة، ان ندخل في معمعة من الجدل السياسي العنيف ذلك لان اشقائي وازواج شقيقاتي واولادهم الشباب، ليسوا من هوى واحد ولا مذهب واحد، ولا قومية واحدة، ولذلك تجد فيهم من يعبد الحكومة ولا يطيق المعارضة، ومن لا يطيق الحكومة ويعبد المعارضة، مثلما تجد بينهم من يعشق الملك، أو نوري السعيد او عبد الكريم قاسم او عبد الرحمن عارف ، ولا يرى أفضل منهم ومن أيامهم، أنا الوحيد من يقف خارج معمعة الجدل ، ليس فقط لانشغالي بتكاليف 4 سمكات، و5 دجاجات و3 كيلوات لحم والبرياني والمرق والفاكهة وإنما كذلك لإدراكي ان مهمة الصحفي كما حددتها ورسمتها وأرادتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 1958 والى عامنا المبارك هذا، هي نقل اخبار الحكومة ومنجزاتها ومشاريعها وتصريحاتها، وليس التحليل السياسي، وكانت والدتي التي تحضر جلساتنا، وهي سيدة أمية، لا تشارك في الجدل كذلك ، ولكن حضورها يحول دون تحول النقاش الحاد غالى الشتائم او استعمال الايدي إكراماً لوجودها !!
قبل 3 جمع تقريبا، احتدم الجدل، وبلغ أعلى مدياته بين من يرى ان خروج البلد من أزمته، يتمثل بسحب الثقة عن المالكي وحكومته، ومن يرى ان الحل هو في سحب الثقة عن النجيفي ، وحل البرلمان، وتصاعد النقاش الذي كان اقرب ما يكون الى عناد الاطفال ، بين قائل ان سحب الثقة عن المالكي أمر دستوري وديمقراطي ، ولكنه أمر مخجل وفي غير أوانه، الى قائل، ان الدعوة الى سحب الثقة عن النجيفي كرد فعل، هو امر دستوري وديمقراطي ، ولكنه اكثر مدعاة للخجل وفي غير أوانه، وبين من يرى ان المشكلة تتمثل في الطالباني لانه غير واضح واتخذ موقف المتفرج ولم يلجأ الى اي من صلاحياته، الى قائل ان الطالباني تصرف بحكمة وموازنات تخدم العملية السياسية، ومن قائل ان الحل هو في اللجوء الى حوار جدي بين الاطراف مع التزام اخلاقي بما يتوصل اليه الفرقاء، الى قائل بمرارة، ان ما يجري بين الاطراف السياسية جميعها هو تغطية لفشلهم في تقديم الخدمات، وهروب من مواجهة الشعب ومصارحته، ومن قائل هذه سياسة أم لعبة جر الحبل، الى قائل: الكل يضحك علينا، وتصاعد الجدل من جديد حتى كاد يبلغ مرحلة الشجار، حين تدخلت امي قائلة بطيبتها، وعفويتها وسذاجتها السياسية (يوم خير يبقه العراق من دون حكومة ولا برلمان، حتى الناس ترتاح من هاي الدوخة) واثارت عبارتها زوبعة من الضحك وتوقفت المعارك الكلامية، ولو لم أكن صحفيا ولو كان بمقدوري التدخل في أمور السياسة لقلت لهم بأعلى صوتي: أمي على حق!!