المتطرف في وطنيته مثلي، هو المتفائل الذي ينظر إلى المستقبل بثقة عالية، ويؤمن بأن الخير آت ولو طال قدومه أربعين او خمسين سنة، ولا يرى في مظاهر الفساد والاضطراب الامني والبطالة، وتردي الخدمات، إلا غمامات عابرة ستنجلي ويستعيد العراق عافيته، ويقف على قدميه عنوانا للحضارة والثقافة والعطاء الإنساني، وتصبح كوابيس الطائفية والمحاصصة والدستور، مجرد ذكريات مؤلمة عفا عليها الزمن!!
في الثالث والعشرين من تموز الشهر الماضي، ودرجات الحرارة (المعلنة) تبلغ الخمسين، والساعة تقرب من الثانية ظهرا، وانا اعاني من الجوع والعطش والشمس التي فقدت رحمتها، وانتظر سيارة اجرة تقلني الى منزلي بأي مبلغ، استوقفتني (مراسلة) احدى الفضائيات الأجنبية مع من استوقفت من مواطنين وموطنات قبلي وبعد ان سألتني عن اسمي استفسرت عن طبيعة مهنتي، فقلت لها بشيء من الحياء (انا صحافي) ويبدو ان اجابتي راقتها، فقد انشرحت أساريرها ظنا منها ان كل من يعمل في الصحافة هو وحيد زمانه في السياسة، ولذلك سألتني «ما هو رأيك بالصراعات المحتدمة بين أطراف العملية السياسية، وهل تعتقد ان ورقة الاصلاح السياسي مجدية او قادرة على حل الخلافات»؟!
انا كما يعرف زملائي المقربون متحدث سيئ، وأتلعثم ولا أحسن ترتيب أربع جمل سليمة، ولهذا أقسمت منذ زمن بعيد على عدم الظهور في التلفاز، ولكن تلك المراسلة الملعونة كانت من الرقة والجمال والأنوثة، ما جعلني أنسى جوعي وعطشي وحرارة تموز، وأنسى قسمي، بل نسيت نفسي، وانطلقت بالحديث من دون تلكؤ او تلعثم او تمتمة، وكأنني من أعضاء البرلمان المدمنين على الفضائيات، وأجبتها اجابة ظاهرها سياسي، وباطنها غزلي، (سيدتي الرائعة، اتمنى عليك ابتداء لو اخترت مطعما من مطاعم النجوم الخمس مكانا للحوار، فأنت تثيرين مخاوفي عليك من شمس العراق المحرقة، مثلما أن تغيري مصطلح الصراعات المحتدمة لان ما يجري بين الكتل السياسية لا يعد صراعا، بل هو تفاهمات حبايب، وانفعال عشاق يتابعون ولعلك تدركين يا سيدتي، أن الحب الذي يجمعنا، اقصد نحن العراقيين، وفي مقدمتنا أولياء أمرنا ونعمتنا، السياسيون، هو الذي جعل رؤساء الأحزاب والكتل والقوائم وممثليهم يطيلون مشارواتهم، ويتبادلون العتب حول عبارة صدرت هنا حول سحب الثقة عن المالكي او استجوابه او عبارة صدرت هناك حول سحب الثقة عن النجيفي او تشكيل حكومة أغلبية او استجواب البارزاني او حل البرلمان… الخ، نحن في العراق نسمي هذا كله ( عركه حبايب ) اي سرعان ما تنتهي ويصحو الجو وتنقشع الغمامة وينسى الجميع زعلهم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها بسهولة، انتهى كيف تسود لقاءاتهم الودية لغة الأحضان والقبل العاطفية، ولو أرادوا سحب ثقة او استجوابا او حكومة أغلبية لفعلوا ذلك بين ليلة وضحاها،، على اية حال انه شيء لطيف حقا، ان يبقى هؤلاء وأولئك وانا وانت والجميع حبايب فالحياة حلوة مثلك يا سيدي وتستحق ان نحتضنها بمشاعر صادقة!) نظرت المراسلة الفاتنة التي لا تشبه نسواننا الى إجابتي باستغراب وحذت اللقاء معي لاعتقادها على ما يبدو انني قد اكون مجنونا او سياسيا يهرف بما لا يعرف، ولم يخطر على بالها مع الاسف، ان سحرها شغلني عن ورقة الاصلاح التي لا يعنيني امرها في شيء، فقد تمزقت فوق رأسي قبلها مئات الأوراق!!