كنا نسميه (المجنون)، وفي الحقيقة هو ليس كذلك، ولا يمكن أن يكون كذلك من قريب او بعيد، وإلا لأطلقنا هذه الصفة على كل إنسان يسعى جادا لتحقيق طموحاته، ولكن مشكلة صديقنا وابن محلتنا ورفيق الطفولة، شاكر عبد الحميد، انه حين يضع هدفا ما نصب عينيه، لا ينتظر حدوث معجزة، ولا يراهن على الزمن، وإنما يبدأ بالعمل عليه باندفاع وحماسة وهمة لا يقدر عليها احد، من دون أن يشعر بالتعب، او ينتابه اليأس!
هذا الصديق الذي تعرفت عليه ايام الطفولة في خمسينات القرن الماضي، وامضينا رحلتنا معا من مدرسة الكرخ الابتدائية الى متوسطة الجعيفر ثم ثانوية الكاظمية، لم نفترق أبداً، وتوطدت علاقتنا أكثرَ حين تم كسبنا في التسعينات الى حزب البعث المقبور (لم يكن اسمه المقبور في ذلك الوقت، وإلا لرفضنا الانتماء إليه)، وأصبحنا بدرجة (نصير)، وحين احتلتنا أميركا عام 2003، تحولت صداقتنا إلى نوع من الأخوة التي ترتبط بمصير واحد، ومصالح مشتركة، بسبب انتمائنا الى احد الاحزاب الجديدة المؤمنة بالعملية السياسية، أقول: هذا الصديق الذي اعرفه عن قرب، كان كذلك منذ أيام التلمذة، حين يطمح في شيء، لا يثنيه عن عزمه احد، ولن يتردد عن تحقيقه مهما كانت الصعاب!
قبل أيام قليلة، زارني الرجل قرابة التاسعة ليلا، ولم يكن هذا من أوقات الزيارة المعتادة بيني وبينه، وبعد أن قمت بواجب الضيافة -سألني قبل ان اسأله عن اسباب زيارته، ان كان تحت يدي مبلغ عشرين مليون دينار، وقد اعتذرت، فانا لا املك حقا سوى خمسة ملايين دينار احتفظ بها للطوارئ وقلت له (ان كانت تفيدك فهي متوفرة)، سكت قليلا ثم قال (نعم تفيد وأبقى بحاجة إلى 15 مليونا، سأقوم بجولة على الاصدقاء، لعلني أتدبرها) ومع أن صديقي عبد الحميد لم يفصح عن حاجته الى المبلغ، وبدا كأنه يتكتم على الامر، الا ان فضولي تخطى حاجز اسراره، ولذلك استوضحت بطريقة ملتوية عن طبيعة حاجته، فأجابني (لو دبرت العشرين ـ وسأدبرها ـ فسوف يصبح المبلغ الكلي 350 مليونا، وهو كل ما اطمح إليه، لقد جمعت ما عندي واقترضت من هنا وهناك، ووصل المبلغ إلى 330 مليون دينار، والباقي عشرون فقط)!
الحقيقة أسعدني كلامه العلمي الخاص انه ينوي شراء دار سكنية ويتخلص من لغاوي الايجار، ولهذا هنأته مسبقا على نيته، وقلت له من باب المبالغة (ان امتلاك بيت في الدنيا يعادل في متعته امتلاك قصر في الجنة) شكرني الرجل وهو ينظر إليّ باستغراب، ثم قال لي مستفهما (عن اي بيت تتحدث؟ انا احتاج هذا المبلغ -350 مليون- لأدفعه مقابل حصولي على منصب رفيع في الدولة)!
أفزعني حديثه أكثر مما أربكني، فانا لم اسمع من قبل ان المناصب يمكن أن تباع وتشترى مثل البطيخ والرقي، وشعرت بالقرف والانزعاج، وكدت أثور في وجهة، لولا انني تمالكت أعصابي وقلت لنفسي (لو لم تكن المناصب معروضة في المزاد العلني، وتباع وتشترى فعلا، لما فكر الرجل واقترض وأجهد نفسه)، ولذلك هدأت وحاولت تلطيف الجو وسألته بأسلوب مازح (ألا يوجد منصب على قدر فلوسي، اعني بخمسة ملايين دينار)، وضحك الرجل طويلا، وغادر المنزل بحثا عن أصدقاء آخرين يقرضونه، وكنت على ثقة تامة، انه سيحقق طموحه!!