حليـب أطفـال !

للوظيفة أحكامها وأقدارها، وها هو قدري الوظيفي يحملني إلى مدينة أربيل مطلع عام 1981، وكان علي ان ابدأ تاريخا جديدا من العلاقات والصداقات، وسرعان ما تحقق هذا التاريخ، واتسعت دائرة معارفي وأصدقائي لتشمل أطيافاً منوعة من أبناء المجتمع الكردي، وقد خدمني في ذلك من دون شك وضعي الصحفي، وتحركاتي الكثيرة واتصالاتي اليومية، بحثا عن تحقيق او موضوع صحفي في قلعة المدينة او فولكلورها او اسواقها او معالمها أو متاعب خدماتها واعتقد قبل ذلك ان الفضل الاول في بناء تاريخ شخصي مع المدينة اعتز به عظيم الاعتزاز.. يعود إلى أهالي أربيل أنفسهم، فقد كانوا صورة مشرقة من صور العراقيين، كرما وطيبة وضيافة، فما شعرت يوما طوال وجودي بينهم، إلا كما يشعر المرء وهو بين أهله وأقاربه وعشيرته.

طبيب كردي، هو واحد من أهم معارفي، حيث تفتحت صداقتي معه وامتدت إلى حدود العلاقة العائلية.. وطالما دعاني الى بيته حتى أصبحت احد أفراد الأسرة، وكان هذا الرجل توأما للمرح والمزاح والضحك والمقالب، بحيث لا يجد جرحا في تدبير مقلب على والدته أو زوجه، من دون ان تكون المقالب بالطبع مؤذية، ولكنها تثير جواً لطيفا من الدعابة.

مرة شكوت من الم في المعدة، وشيء من الغثيان، فقصدت عيادته وشرحت له حالتي، وكان الرجل على عادته في أي لقاء يجمعنا، يشجعني على التحدث باللغة الكردية لكي أتعلمها، ويخاطبني بالمقابل، باللغة الكردية ولم أكن بعد مضي اشهر قلائل على استقراري في أربيل، قد أتقنت لغة المدينة، ولكنني تعلمت الكثير من المفردات التي يصعب علي صياغتها في جمل مفيدة، وبعد أن انتهيت من شرح حالتي المرضية بلغة عربية مطعمة بمفردات كردية، سألني سؤالا غريبا لا علاقة له بسبب مراجعتي، وفحوى السؤال الذي طرحه باللغة الكردية كما فهمته، يتعلق بالمدة التي أمضيتها في أربيل، فأجبته على ما اذكر (أربعة أشهر)، وكانت اجابتي بالكردية، لان عبارة (أربعة أشهر) ليست صعبة، ولا تقتضي تكوين جملة!  

كتب لي الرجل (وصفة)، وطمأنني إلى أن الحالة بسيطة جدا، وتمنى لي السلامة، وهكذا غادرت العيادة، وذهبت الى الصيدلية واشتريت العلاج، ولكنني فوجئت إن علاجي هو علبة حليب أطفال، ولهذا عدت إليه لأسأله وأتأكد، فربما يكون هو قد أخطأ او الصيدلي، غير انه قال لي بثقة عالية في النفس، وبوجه صارم جاء (هذا هو علاجك بالضبط، حليب أطفال)، وقرأ الاستغراب الشديد في عيني، وقبل أن استوضح، لم يحتمل نفسه وأطلق ضحكة مكبوتة ثم اخبرني قائلا (كاكه حسن.. لقد سألتك كم عمرك؟… فأجبتني: أربعة أشهر، وهذا هو العلاج المناسب لهذا العمر)!! 

ضحكنا معا كما لم نضحك من قبل، ثم ناولني شريطا من الأقراص هيأه لي، فقد كان واثقا من عودتي اليه للاستفسار عن حليب الأطفال، ومنذ ذلك العام والى يومنا هذا، ما زال يسألني كلما التقينا عن سنوات عمري، ثم يأخذني بالأحضان وهو يضحك!!