ما بين أوهام كثيرة ورثتها الناس وشاعت بينهم، إن الكائن الحي هو الذي يأكل ويشرب وينمو ويكبر ويتحرك ويهرم ويموت، وقد قاد هذا الوهم إلى حصر الكائنات الحية بثلاثة انواع فقط هي الانسان والحيوان والنبات، ومن المؤسف حقا ان مناهجنا الدراسية ما زالت تتمسك بهذه المعلومة المغلوطة وتنشرها بين التلامذة.
ولعل وجه الغلط ، ان الكائن الحي هو الذي يتطور ، وان كان خارج هذه الانواع الثلاثة ، او حتى لو كان جمادا ، وليس ادل على ذلك من ان الافكار والآراء والمعتقدات والعادات والتقاليد ، كلها تتطور وتشهد من التغيرات والتبدلات الشيء الكثير، مع انها لا تنتمي الى فصيلة الإنسان او الحيوان او النبات .. ولعل واحدا من اقرب الأمثلة المعاصرة إلى الذهن.. ان الشعب العربي وقواه السياسية المناضلة كانوا الى خمسين سنة مضت ينظرون الى (أميركا) على أنها زعيمة الاستعمار ، وشيخ مشايخ الامبريالية العالمية ، وكانوا يناضلون ضد مواقفها المعادية لطموحاتهم المشروعة في التحرر والحياة الكريمة ، ما وسعهم النضال باليد واللسان والقلب ، ولكن نظرتهم بعد خمسين سنة فقط ، تطورت بالكامل، وتغيرت مفاهيم القديمة بحيث باتوا، هم انفسهم من يلهث وراء اميركا ، ويدعوها بتوسل لكي تحتل بلدانهم كما حدث في ليبيا مثلا ، والى حد بعيد في تونس ومصر واليمن ، وكما يحدث اليوم في سوريا بل ان ملايين العراقيين انتابهم (الخوف) والحزن بعد مغادرة القوات الاميركية المحتلة للعراق ، بمن فيهم مسؤولون كبار كانوا يعربون عن سعادتهم في المجالس العامة، وامام الفضائيات ، ولكنهم كانوا في قمة الاسى والاسف مع انفسهم، وفي مجالسهم الخاصة!
المشتغلون في الميادين اللغوية يؤكدون بما لا يقبل النقاش، ان اللغة كائن حي دائم النمو والتطور ، وهو في كل مرحلة يعبر عن فكر الجماعة ونمط حياتها ودرجة نهوضها الحضاري ومستجدات رؤيتها العاطفية والفلسفية والعقلية، ولهذا فان لغة امرئ القيس ومفرداته ودلالات معانيها هي غير ما نقف وما نستدل عند البحتري وابن زيدون والسياب وسعدي يوسف وجواد الحطاب، مع انهم جميعا يكتبون باللغة العربية الفصحى نفسها، وينتمون الى العرب العاربة، وينحدرون من نسل عدنان وقحطان.. والله اعلم !!
إذن كل شيء يتطور فهو كائن حي، الفن والسكن والتربية والبيع والشراء والأخلاق والسياسة والاقتصاد والحب والزواج, وحتى الدستور هو كائن حي ، فيوم تم فصاله على حجوم ومقاسات القوى المتنفذة.. بحيث احست معه بالراحة والسعادة ، وراحت تباهي به وتحلف برأسه، لم يعد كذلك بعد اقل من عشر سنوات ، فقد تضخم حجم تلك القوى، وزاد وزنها، وتعافت أبدانها ، وكبرت بطونها ولهذا بدأت تشعر بالضيق ، لان الدستور ما عاد يناسب مقاسها الجديد ، وفيما كانت تحلف برأسه، أصبحت تتشكى من موديله القديم ، ومن عيوبه الكثيرة ، ولأنها تستحي من تغييره بعد كل ذلك الغزل الرومانسي ، فقد وجدت ان أفضل حل لحفظ ماء الوجه ، هو ان لا تلتزم به ، وتصدر قراراتها بعيدا عنه وبصلاحيات مطلقة ، فاذا أرادت التراجع عن تلك القرارات او أدركت أنها لا تخدمها فما اسهل ان تقول لنا بلهجة قانونية ملتزمة : هذه القرارات مخالفة للدستور … ويا عيني على الدستور !!