(إذا شغب شاغب عوتب فأن أبى قوتل)
الإمام علي
على قاعدة “النتائج تتبع أخس المقدمات” قتل الابرياء من الجيش العراقي في الحويجة, ثم قتل المشاغبون الذين لم ينصاعوا للحق ولم يعترفوا بقتل أفراد السيطرة العسكرية ونهب أسلحتهم, والقتلى هم من أبناء الحويجة. واستمرت روح الشغب مدفوعة بتوجهات التكفير الوهابي المخالف لقيم السماء, وبتغطيات فضائية تحريضية تنفخ ببوق الفتنة التي أدت الى هتك حرمة الجيش العراقي وتعريض هيبة الدولة الى الانكسار, حيث بدأ البعض بالتجرؤ على استعمال ألفاظ سوقية لا يحسن غيرها ولا يعرف آداب المخاطبة, حتى ظهر لنا معمم يرتدي لباساً عسكرياً إمعاناً في التحدي الذي لا يجعل منه بطلاً بمقدار ما يجعل منه ومن معه من الغوغاء الذين لا يملكون بوصلة المشاريع الإصلاحية, مثلما لا يعرفون فن الثورة التي لم تعد لها من مبررات في الواقع العراقي الذي هجر لغة الانقلابات والعنتريات التي لم تجلب لعراقنا سوى الخيبة والتراجع والضمور في هيبة الدولة وضياع فرص حضورها السياسي وتقدمها الاقتصادي.
إن محاولة البعض الدعوة لما يسمى “جيش العشائر” هو إساءة خطيرة لولاء العشائر العربية لوطنها العراق, ودعوة من هذا النوع تنطوي على الكثير من الدلالات التي تؤشر إلى قرب تحقق مقترحات “جو بايدن” لتقسيم العراق المنطلقة من مناخ المحور التوراتي، وهذه الدعوة البائسة التي ولدت ميتة, جاءت لتحقق رهانات أصحاب سباق “الهجن” وتربية “الخيول” الذين لم يحسنوا استثمار عائدات النفط إلا في بورصة البنوك الغربية التي أصبحت أرصدتها تهتز ليعلن بعضها الإفلاس, ويعلن بعضها الآخر طلب الالتماس لتأجيل المطالبات بالسحوبات لاسيما من أصحاب الدشاديش والعباءات التي يتبخترون فيها بإماراتهم ويستبدلونها بالبدلات الايطالية والعطور الفرنسية عندما يغادرون الى الدول الغربية.إن ما يسمى بجيش العشائر هو انتكاسة تنظيمية, وعجرفة بدوية بدائية تستحضر الروح التسلطية التي تقسم المجتمع الى إقطاع سلطوي مالي يجد من وفرة السيولة الخارجية عبر خلية غسيل الأموال في عمان التي أصبح بعض أيتام حقبة صدام حسين الذين كانوا أجراء كراية لأموال السحت الحرام من أموال الشعب العراقي, وبعد أن لفظ أنفاسه نزيل حفرة العار الهارب من فضيحة الشعار, أصبح الاجراء ملاكا, والحواشي أسياداً.
وإذا كانت الاشهر الأربعة التي مضت على تظاهرات الفتنة قد أعطت تنبيها لبعض رؤساء العشائر الوطنيين, فتحركوا لرفضها, وفضلوا ولاءهم للدولة والوطن والشعب بكل أطيافه, وهو موقف يدل على أصالة ونقاء, ولكن هذه الاصالة وذلك النقاء أمامه اختبار جديد, وتحد من نوع أخر يتطلب من أصحاب الارادة الوطنية في المنطقة الغربية من رؤساء عشائر وأئمة مساجد, وعلماء فتوى, ومثقفين رأي, وسياسيي موقف, وحزبيي تنظيم, أن يأخذوا على عاتقهم مواجهة هذه الدعوات بالرفض المبدئي, والحراك السلمي الذين ينصح ويوضح, ويعاتب ويطالب بالتخلي عن مثل هذه الدعوات الخارجة على القانون والمخالفة للدستور, والصادمة لشعور الجمهور لأنها نكران للوحدة الوطنية, وتشويه للروح العشائرية, وذبح لمصداقية العشيرة وإفراغ لمضايفها من المحبة والتألف, واستبدال التعارف بالعداوة, والصديق بالمخالف.
ولأهلنا في المنطقة الغربية نقول إن: هذه الدعوات المشبوهة التي تريد تمزيق الاجتماع العراقي, وإحلال الميليشيات في مقابل الجيش النظامي أنما هي دعوات متقهقرة متخلفة عن طور المدنية والتحضر الذي يسعى إلى جمع شمل الجيوش وتوحيدها في الدول المتقاربة في الموقف السياسي والنهج الاقتصادي, بينما الدعوة إلى جيش العشائر هي صناعة تناحر في مواجهة جيش الوطن الذي هو حصن الامة, وجيش العشائر هو تفتيت لوحدة الامة, وتمييع لهيبتها, وهذا النمط من التفكير والانقسام سعت إسرائيل طوال تواجدها غير الشرعي في المنطقة الى أشغال الناس بهذا اللون من العمل الحامل لكل مقومات الفرقة والتناحر, ومن يسعى لمثل هذا العمل يدخل في باب الخيانة الذي لا نتمناه لكل عراقي, بل لا نتمناه لكل عربي, ولا لكل إنسان على قاعدة “حب لأخيك ما تحب لنفسك”.