ريحان الزمن ونعناع الذكريات

هو الزمان يأكل أعمارنا ويطحن أيامنا تحت أضراسه ويلتهمها بسرعة عجيبة، فيا لسنوات العمر كيف تمضي بنا.. أنها كالحلم طيف لا تستطيع الإمساك به وأنت تعيشه!.ولكن هذه هي الحياة وتلك دورتها الخالدة، فلا يمكن للربيع الإحساس بالبراعم إذ تتفتح، ما لم ير الخريف كيف جفف الغصون.. فاليوم لم تعد تلك القامة الهيفاء تفرض حضورها وسطوتها في المحلة بعدما تقوس الظهر. بيد أن الذكريات تبقى عالقة في الذهن وهي تستحضر هموم الحيز الجغرافي والبيئة التي شكلتنا مذ تفتحت البراعم حيث المحلة وأزقتها وعوالمها وبيوتها وشناشيلها التي تضوع فيها رائحة البطيخ، وصراخ الباعة، وجلبة الأطفال، وضجيج المقاهي، أماكن لها لون وطعم ورائحة وذكريات مقيمة ليس من السهولة مغادرتها او نسيانها.
– 2 –
آه يا دربا كتبنا على حيطانه أسماء وأسماء، ورسمنا عليه بالطباشير أحلاما وصورا ضاحكة.. أجل لقد كانت “دربونة المحلة” عالما مليئا بالحكايات للأطفال وموقعا دسما لأوجاع الفقراء، وأحلام الشعراء، ولقاءات الأحزاب، ومكانا تنطلق منه شرارة التظاهرات، وتداول المنشورات المحظورة، وتبادل الأكلات وحتى اللعنات. مثلما كانت مرتعا خصبا للشقاوات البريئة والغزل البريء وتجمعات الفرق الرياضية الشعبية، وكثيرا ما تحولت تلك الأزقة المتعرجة الى ملعب صاخب يضج بالحياة، حيث يحلو اللعب بكرة القدم، أو لعبة المحيبس الرمضانية، ولا ننسى دكات أبوابها وتجمع النسوة وقد تلفعن بعباءاتهن السود في العصاري، أما سطوحها، فنادرا ما تخلو من الطيور وملابس الغسيل.. ترى هل بقيت تلك النكهة قائمة في محلات بغداد وأزقتها تحمل ريحان الزمن ونعناع الذكريات في أعراف وتقاليد جميلة ومحببة غير مكتوبة ولكن متفق عليها.
– 3 –
إنها محلتي ومحلتك، فهي أشبه بعش لا تمله العصافير، ولا تهجره ذات صيف، فلكل مدينة أمكنتها التي تترك في الذاكرة أثرا لا يمكن مقاومة الحنين إليه.
طعم ماض له رائحة النعناع، يتسكع فيها الحلم على طرقات بقيت تحتفظ بخطوات الذين مروا والذين غادروا للأبد.. هنا طيور تتناجى وهناك نافذة يتسرب منها الضوء وعند الزاوية أطفال يتقافزون، وثمة وجه صبوح يوزع ابتسامات بريئة تجعل القمر حينها أكثر التماعا، والقلب اكثر ارتعاشا.
فيا لهذا العشق وهذا الارتباط، ويا لذلك الأمس الذي يكاد يهوى كتمثال من القش!!