رثاء حمار بغداد

(1)
يبكي الرجل حياته القادمة. يبكيها لأنها ماتت أمامه من غير مساعدة أحد. يحتضن رأسه. يغط في حزنٍ عميق، تدور في رأسه مشاهد قديمة: الأسنان التي يملؤها البرسيم وهي تلمع، صوته المزعج في الصباح. تعبه في الصيف، ونزواته المستمرة في الشوارع المكتظة بأشباهه.
الحياة… حمار ميت في بغداد. لا تبتعد الحياة كثيراً عن هذا المشهد: رجل سحقت سيارة حماره، احتضنه وبدأ بالبكاء، فيما يختنق الناس من حوله بضحك هستيري وهم يمسكون كاميرات هواتفهم المحمولة.
هكذا تتحوّل الحياة والمستقبل أحياناً إلى حمار، لم تسلب الأوضاع الأمنية حياته، لكن سيارة رعناء استكثرتها عليه. الرجل في الفيديو الذي تناقله مستخدمو “فايسبوك”، وهو يحتضن حماره ويبكيه، لا يختلف كثيراً عن كل شخصٍ قتل قريب له، أو ربما هو أكثر من ذلك. فربما هذا الحمار يقضي مع صاحبه ليالٍ طويلة، لا يسكت نظراتهما لبعضهما البعض إلا التعب والنعاس. يخططان ليومهما طويلاً، يعدان بعضهما بعضاً بالصبر علّ حال العمل يتحسّن. الحمار يَمثَّل الخبز والمستقبل والعائلة.
في بغداد مثلاً، رأيتُ بعيني أكثر من مرة شاباً صغيراً يبكي سيارة الأجرة التي يملكها وقد تحطّمت إثر حادث. لا تختلف السيارة هنا عن الحياة والمستقبل. هذه الكائنات كلّها تعني، من بين ما تعنيه، الخبز الحار الذي يأتي صباحاً مع البيض. البسمة على وجه الطفل الذي حصل توّاً على قرطاسيته. والأم التي حصلت أخيراً على ملبس جديد.
الرجل الذي بكي طويلاً، ونسي كل الضحك الذي حوله، لم يصدّق الدم. لم يفكّر، للحظة واحدة، أنه سيجوب شوارع العاصمة وحيداً دون نهيق صاحبه ونزواته عندما يرى حمارة جميلة.
كان الرجل على يقين، مثلما كل السكان هنا، أن الموت وشيك، لكن وقت النحب لا بدّ أن يكون مع صاحبه. أن يجمعهما عزاء واحد وأن يقال “فلان مات مع حماره”. لم يتصوّر أن يتركه الحمار في حياة وحشيّة كهذه، من دون صبر صاحبه الذي يكدّ على عائلته أكثر ممّا يتعب هو أحياناً.
الضحك الذي توزّع حول أذني الرجل الباكي يعبّر هو أيضا عن حالة إنسانية. “أكو واحد يبكي على زمال (هل هناك أحد يبكي حماراً؟)”، هكذا كان يردّد أحدهم. الموت فقد قيمته. منظر الدم، إن كان لإنسان أو حمار، مرعب بالضرورة. كل قتامة اللون الأحمر لا بد أن ترعب الإنسان، أي إنسان. إلا أن الكثير من سكّان بغداد، فقدوا دهشة الدم. فقدوا ذاك الوازع الإنساني الذي يدفعهم إلى الحزن بعد كل الموت الذي رأوه يفيض في بغداد. الموت صديق لئيم يأتي في كل حين. وربما سيحسد أحدهم الحمار لأنه وجد رجلاً يبكيه وحده، دون إشراك أحد غيره في العويل المطوّل، على العكس من الأمهات اللواتي يبكين بالجملة أخوين قضيا بانفجار. سيحسد كثيرون موت الحمار “الوثير” بحادث سيارة، بدلاً من انفجار.
كثر سيغارون من تلك المحبّة.

(2)
لن يمضي “موت الحمار” دون أن تدخل السياسة على الخط. الحكّام الذين أفسدوا كل شيء لا بد أن يكونوا حاضرين في كل حادث وحديث. كتب الشاب الذي رفع الفيديو على “يوتيوب”: “يا ريت يحكم العراق على طيبته وإنسانيته”، يقصد الباكي على حماره. لا أحد يهتم بهؤلاء الشباب في الحكومة. يشعرون وكأنهم في غرفة ضيّقة ورائحة الموت تملأ أنوفهم. لا أحد يخرجهم من تلك الغرفة التي تضيق. حتى ولو ماتوا، لن يجدوا أحداً يبكيهم كما بكى الرجل حماره. تفشل الحكومة في كسب ود الشباب. تتسع الهوة بينهم وبينها بعد كل تصريح خاطئ وبعد كل اختراق أمني وصفقة فاسدة. لم يعد الاستقطاب الطائفي كافياً مثلما كان من قبل. هؤلاء الشباب باتوا “عبادي دنيا” وتركوا “الآخرة” للساسة.
“الدولة الفاشلة” التي وجد هؤلاء الشباب أنفسهم فيها، جعلتهم يتمنون أن يحكمهم أي شخص، علّه يداريهم ويحسّ بألمهم. لم يحتج الرجل سوى الوفاء لحماره ليطالبه شخص بحكم العراق. لم يتصرّف إلا على سجيته، ومحاولة إمساك مستقبل أطفاله ولقمتهم قبل أن يخطفها الموت من يديه. كل ما فعله هو البكاء على مستقبل يعرف جيداً أن أحداً لن يؤمنه غير الحمار، فحصل على العطف، وحصل على التمني بتسلمه منصب.
عرف هذا الرجل أن حماره لن ينهض. أيقن أخيراً بأن عليه اعتياد المشي بعربة ثقيلة. أن يسمع السخرية نفسها التي سمعتها أذنا حماره وهما تودعان حياة زاخرة بالرعب.

(3)
ألا تبدو الحياة في بغداد مشابهة للحمار، تُقتَل فيما يتضاحك حولها كثيرون؟ لا يبكيها إلا من يتشبّث بمستقبله الذي، إن نجا من الفقر والجوع، فإن الموت في انتظاره؟ ألا تبدو الحياة صبورة وكسولة في آن؟ لا تدافع عن نفسها، ولا يتبرّع أحد لحمايتها، ولا تجد أحد يرثيها، مقابل ذكر الموت وصداقته؟ كأن الحياة حمار ميت في بغداد، لكن لا أحد يبكيه.