قال الإمام زين العابدين (عليه السلام ) ( ما من قطرة أحب إلى الله عز وجل من قطرتين : قطرة دم في سبيل الله و قطرة دمعة في سواد الليل )؛ بين سلطان ورحمن طويت المسافات وتوقف الزمن للحظات , ليقف إجلالا وإكبارا لقطرات الدم التي روت تراب الرمادي و ثرى ديالى .
نعم سلطان ورحمن وجهان لعملة واحدة , سلطان هو ذلك الشاب ابن الأربعين الذي ترعرع بين ثنايا قصب البردي وتوسد طين الهور صبيا يافعا استنشق رائحة البارود من فوهة رشاش والده وبنادق أعمامه وتعلم أبجديات المقاومة والتحدي والتضحية من رفاق الدرب على امتداد مساحات اهوار البصرة والناصرية و ميسان المحبة , تعلم معنى أن تموت ليعيش الآخرون عبر محطات الجهاد في مواجهة أزلام الطاغية المقبور ، ودرس علم الشهادة والاستشهاد في جامعة العقيدة الإسلامية التي تأبى الضيم والظلم . وسقط صدام وبدأت مرحلة جديدة من التحديات فكان سلطان لها ضابطا في الجيش العراقي الجديد يلتحف حب الوطن عقيدة وشهامة ومروءة غرست جذورها متأصلة في كل النفوس التي عرفت الرائد سلطان وأحبته سيدا أعطى ( للسيادة والسيودية ) معناها الحقيقي, خلقا رفيعا وحسا مرهفا وشخصية ترى فيها العراق بجباله واهواره وصحاريه , قامة تعانق السماء فكان كل العراق يقاتل في ارض الملعب لان الرائد (سلطان ابن سيد ناصر حسين ) احد أبطال الفرقة العاشرة كان يقاتل هناك وكعادتهم ارجاس الأرض بالغدر والخيانة جاءت رصاصة قناص الغدر لتحز وريد سلطان الشهادة بعد أن قالها وبصوت عال مخاطبا جنود سريته (أمامكم معسكر يزيد وانتم أنصار الحسين وأصحاب معسكره ) هذه الكلمات هي آخر عبارة صدحت بها حنجرة الشهيد البطل سلطان .أما الوجه الثاني من العملة العراقية الواحدة فهو العميد رحمن مدير استخبارات ديالى الذي عرفته أخا وصديقا قبل سنين عندما وطأت قدماه محافظة ميسان مديرا لاستخباراتها ، التقيته حينها قرأت في عينيه معنى أن تكون بطلا وحقيقة أن تكون رجلا, ذلك الوجه الذي توشحه سمرة جميلة معجونة بطين دجلة و الفرات.
مرت الأيام والأخبار تتوالى عن مواقف رحمن الشهامة و دارت السنين ليجعلني القدر جارا لرحمن الإنسانية والمروءة دون أن ادري، زار بيتي ثلاث مرات وأنا غير موجود وكان يقول لأهلي انقلوا تحياتي لجاري العزيز وقولوا له زارك ابا عبد الله ولم أكن اعلم انه رحمن الذي اعرفه، ومرة أخرى يلعب القدر دوره في نسج خيوط ملحمة جديدة من ملاحم رحمن عندما استوقفني منظر عشرات السيارات الحكومية والأهلية ووجود مئات من الأشخاص أمام داره وبعد ان بحثت عن السبب ، كانت المفاجئة المفرحة المحزنة، نعم فلقد كان عميد رحمن عريس العراق بكل ما تعنيه الكلمة هذا الرجل الذي أراد لديالى أن تكون خالية من الإرهاب والإرهابيين وأراذل البشر من التكفيريين و عمل صامتا طوال سنين وحقق الكثير لما يريد العراق ولما أراد , فكانت يد الغدر له بالمرصاد (فهم أهل الغدر الذين لا يواجهون الرجال وجها لوجه ) لأنهم يعرفون معدن رجال العراق أمثال سلطان ورحمن فأرادوا قتله غيلة وغدرا عندما زرعوا له صاروخا للدروع لتحين ساعة التوشح بقلادة التضحية الكبرى وليقدم رحمن البطولة طرفيه هدية متواضعة إلى عروس العراق محبوبته مدينة البرتقال ديالى الخير. عندما وقعت عيناي على جسد رحمن لم أتمالك نفسي من البكاء فرد علي صديقي وجاري ابن العراق البار بصوت جهوري أرعب نفسي وهز كياني ممزوجا بضحكة عراقية معهودة أخي أبا غسان أنا بألف خير مادام العراق بخير وعهدا مني قالها رحمن عميد التضحية بأنه سيعود الى عروسته ديالى حتى ولو بأطراف اصطناعية، رافعا رأسه شامخا شموخ نخيل البصرة وكبرياء جبال الوطن .نعم ها هما سلطان ورحمن وجهان لعملة عراقية واحدة هي الرجولة والإباء، هي حب العراق وهي مخافة الله، وفي العراق المئات من سلطان الرائد ورحمن العميد رجال يعملون بصمت المقتدرين وروح المؤمنين وصدق الله العلي العظيم سبحانه وتعالى الذي قال:
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ * فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ * وَمَا بَدَّلُوا تبْدِيلا)