البحث عن أدوات التغيير

بداية لابد أن نشير هنا إلى أن معظم الذين يرفعون شعارات التغيير في العراق خططوا منذ زمن بعيد لتغيير نظام الحكم ذي الصبغة الاحتكارية، بكامل دائرته الانتهازية المسيطرة على كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية، لصالح فئة أخرى تمارس النهج نفسه، ولديها النزعات التسلطية نفسها، وهو الأمر الذي يجعلنا ننخدع مجددا بشعارات مُستهلكة ومرفوضة. قد تحيل مستقبلنا إلى جحيم، ولهذا يمكن أن يشكل هذا النوع من التغيير حالة كارثية، إذا تم وفق هذه القاعدة، وجرى استبدال النجيفي مكان النجيفي، أو استبدال المالكي بالمالكي، أو استبدال أياد علاوي بأياد علاوي آخر. وبناء عليه يفترض بالذين يُلوِّحون بشعارات التغيير أن يبحثوا عن أدوات جديدة للتغيير. يكون من شأنها أن تقودنا نحو إحداث التغيير الحقيقي المنشود، الذي يضمن لنا تغيير الواقع السياسي المتشنج إلى واقع مرن يسهم في تحسين خطوات الإصلاح والتجديد نحو الأفضل، فلا يمكن بأي حال من الأحوال القبول باستبدال زيد بزيد نفسه، أو استبدال عمر بعمر نفسه. وبالتالي فأن الانتخابات العراقية قد تتحول من أداة للتداول السلمي للسلطة إلى أداة لتعقيد المواقف السياسية.
ثم أن التغيير نفسه، يعد من الظواهر الطبيعية المتغيرة، وقديما قال (هرقليطس): (أن التغيير قانون الوجود، والرتابة المملة موت وعدم), وقال: (أنك لا تنزل البحر مرتين، فأن مياهاً جديدة تجري من حولك أبداً).قد يواجه التغيير سلسلة من العقبات، تعزا في مجملها إلى تدني حجم المشاركة الانتخابية، وتغييب الجهات المعبرة عن الوعي الجماهيري، والتي قد لا تثق بصناديق الاقتراع وبالنخب السياسية المتنافسة، أو إذا كانت هنالك قطيعة طائفية أو عرقية أو حزبية أو عشائرية، فعندئذ يكون من الصعب العثور على الأجواء الصالحة للتغيير، والتي ينبغي أن تتمثل بالإرادة القوية, وامتلاك المشاريع البديلة المرشحة لاستبدال الواقع المراد تغييره.
فالتغيير يستوجب وجود حركة اجتماعية تستند إلى قاعدة شعبية واسعة في العراق، تدعو إلى إنشاء دولة مدنية تعددية قائمة على العدل والمساواة، يشارك فيها الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه. وتتطلب وجود مجاميع كبيرة من الناشطين الوطنيين، وتستوجب توفر رؤية متكاملة للمشاريع المستقبلية المدروسة، ناهيك عن ضرورة توفر الإرادة الوطنية الصلبة، وتوفر الظروف الدولية والإقليمية والمحلية المؤاتية للتغيير.المؤسف له أننا تعودنا في العراق مجيء التغيير عن طريق الأدوات العسكرية الانقلابية، باعتبارها من الأدوات الشائعة في معظم الأنظمة العربية المؤمنة بحكم العسكر، وربما كان العراق من أكثر البلدان العربية, التي شهدت سلسلة متعاقبة من الانقلابات العسكرية الدموية المتوالية، حتى ترسخت فكرة التغيير بالأدوات الحربية في عقول بعض الكيانات المتهافتة على الحكم, أو عن طريق الارتباط المريب بالدوائر المخابراتية الخارجية، فتعقدت أوضاعنا السياسية في العراق، واختفت معظم أدوات التغيير السلمي من مخيلة المواطن البسيط، وصار أقصى طموحه متقوقعاً في البحث عن ملاذات الأمن والأمان, أو في انتظار ساعات الترشيد المتقطع لشبكة الكهرباء الوطنية، التي فقدت وطنيتها وتحولت إلى أداة من أدوات الضغط السياسي في مواسم الانتخابات، ووسيلة من وسائل الاستفزاز اليومي لذوي الدخل المحدود.
ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم