ألف هَيْعَة وهَيْعَة

قلت له: لماذا يتظاهر المرشحون، وأنت واحد منهم، بالوطنية والتدين والسلوك الحضاري، وحب الناس، ثم تختفي تلك المظاهر عند الفائزين منهم وعند الخاسرين ؟. قال لي: أنها مجرد (هَيْعَة)، تتفجر ثم تهدأ، ثم ينتهي كل شيء.
خذلتني أجابته، وصعقتني طريقته في التسفيه والتسطيح، فهل صارت حياتنا مجرد هَيْعَة ؟، أم أننا نحن الكومبارس في هذه الهَيْعَة ؟. ربما يظن البعض أن كلمة (هَيْعَة) من المفردات العامية الدارجة في جنوب العراق، والحقيقة أنها كلمة فصحى، فالهَيْعَة ومصدرها: هاع يهيع: صوت وضجة، وكلما أفزعك من صوت مرعب. والهَيْعَة: الصَّوت الذي يخافه الإنسانُ من عَدُوِّه. ورجل هاع وامرأة هاعة. والهيعة: كالحيرة. ورجل متهيع: متحير، والهائعة: الصوت الشديد. قال قعنب ابن أم صاح: إن يسمعوا هيعة طاروا بها فرحا/ مني وما سمعوا من صالح دفنوا.
وجاء في الحديث: (أَفْضَلُ النَّاسِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ كُلَّمَا سَمِعَ بِهَيْعَةٍ اسْتَوَى عَلَى مَتْنِه).
ربما كان ذلك المرشح على حق، فنحن نسمع من الهَيْعَات والفزعات والخبصات والهيصات ما لا يصدقه العقل. يقولون: فلان فَزَعَ فَزْعاً: أي تقبّض ونفر من شيء مخيف، فهو فازع، وجمعها فَزَعَة. وفَزَعَ القومَ: أي أغاثهم ونصرهم. قال ابن منظور في لسان العرب: إن لفظ فَزِعَ إِلى القوم: استغاثهم. وفَزِعَ القومَ وفَزَعَهم فَزْعاً وأَفْزعَهم: أَغاثَهم، وفَزِعَ إِليه: لَجَأَ، فهو مَفْزَعٌ لمن فَزِعَ إِليه أَي مَلْجَأٌ لمن التَجَأَ إِليه. فالفزعة في العراق تعني: النخوة والاندفاع لمساعدة الناس في الملمات، وتدل الفزْعة على شهامة الرجل وكرمه ومروءته.
كان التواصل والتلاحم ما بين الناس في العراق أكبر وأسمى مما يمرون به اليوم، وكانت الفزْعة فيما بينهم هي سمة مغروزة في قلوبهم. يؤازر الجار جاره ولا يخذله ولا يتركه أبداً. إن كان عنده فرح فهو أول الفازعين وكأنّ الفرح فرحه، ويبقى طول اليوم هو وأهله يساعدون جيرانهم بيوم فرحهم.
وكذلك في مصائب الموت يفزعون لأهل العزاء، ويمكثون أياماً ليست بالقليلة يطبخون لهم ويقومون بزيارتهم لكي يؤنسوهم ويخففوا من مصيبتهم. ومن أجمل صور الفزْعة والتلاحم التي سمعتها أيضاً ما يخص وقت بنائهم لبيوتهم البسيطة، حين يفزع الناس لنجدة صاحبهم الذي نوى بناء بيته ويساعدونه بالبناء حتى النهاية، وقد تستغرق هذه شهوراً.
وتضرب نساء الماضي مثلاً شامخاً في الفزعة، فالمرأة تفزع لجارتها وقت الولادة وتظل معها، وهي التي تطبب وتداوي بالأعشاب والأدوية الشعبية المتاحة في ذاك الوقت. وإن سمعت أنّه حلّ مع جارهم ضيف فزّت وهبّت لمعاونة جارتها لإعداد الوليمة.
قال زهير: إِذا فَزِعُوا طارُوا إِلى مُسْتَغِيثِهمْ/ طِوالَ الرِّماحِ، لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ.. وقال الشاعر: إِذا ما فَزِعْنا أَو دُعِينا لِنَجْدةٍ/ لَبِسْنا عليهنّ الحَدِيدَ المُسَرَّدا
أما الخبصات والهيصات، فالخبصة من خبص وتعني: خبط وخلط وفتن. والمخبوص هو المشوش المُربَك. والهيصة من الهيص وهو: العنف والفوضى.
ختاما نستنتج أن الهيعة تعني: صوت الصارخ للفزع، وتعني: الفزع الذي يصيب المخبوص بالهيصة في بلد الألف هيعة وهيعة، بانتظار من يفزع إلينا ويهرع لنجدتنا فينتشلنا من هذه الخبصات والهيصات.