«أوبك» والأسعار

علي بن طلال الجهني
قبل نحو ثلث قرن، كتبت موضوعاً، نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 2-2-1982، سأقتطف أجزاءً مما جاء فيه بتصرف نظراً لقدم نشره.
منذ خريف 1973 إلى يومنا هذا (أواخر2014) ومنظمة «أوبك» تحتل مكاناً بارزاً في عناوين افتتاحيات وسائل إعلام العالم. فكُتِبت من أجل تحليل قراراتها أطروحات دكتوراه، وعقدت من أجل ذمّها والتشهير بها مئات الندوات، ونشرت من أجل الدفاع عنها وتمجيدها عشرات الكتب والمقالات، فظفرت باهتمام عالمي هائل – إيجابي وسلبي – لم يسبق لمنظمة اقتصادية أخرى الفوز به.
وما هي أسباب هذا الاهتمام الذي لم يعرف له نظير؟ اختلفت الأسباب بناء على اختلاف دوافع المهتمين.
فالناس في الدول الصناعية يرددون دوماً أن «أوبك» منظمة احتكارية (كارتيل) قادرة على رفع الأسعار إلى المستوى الذي تختار بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود المبررات الاقتصادية لرفعها.ولذلك أصبحت منظمة «أوبك» منذ سبعينات القرن الماضي توصف في الكثير من وسائل الإعلام الغربية بأنها أداة سطو على ثروة العالم.
وأضحت منظمة «أوبك» «مشجباً» يعلق عليه كل فشلٍ اقتصادي من أي نوع في أي مكان من العالم.
ومع أن منظمة «أوبك» أنشئت عام 1960، إلا أنه لم يسمع بها عدد يذكر من الناس إلا بعد 13 سنة على تأسيسها، أي في أواخر عام 1973. وتفسير ذلك أن أسعار النفط ارتفعت بين كانون الثاني (يناير) وكانون الأول (ديسمبر) 1973 بنسبة 400 في المئة. فقرر عدد كبير من الاقتصاديين الغربيين – وحذا حذوهم تلاميذهم في الدول النامية بما في ذلك بعض الاقتصاديين من أبناء دول «أوبك» – أن منظمة «أوبك» تحولت فجأة إلى منظمة احتكارية (كارتيل)، ودليل ذلك النسبة العالية جداً التي ارتفعت بها الأسعار في فترة زمنية قصيرة جداً.
ولكن اعتقاد الغالبية بهذه الأسطورة لم يغير الحقيقة التي أدركها عدد قليل من المتخصصين في كل مكان، وفحواها أن الأسعار ارتفعت بما ارتفعت به من نسب عالية عام 1973 ليس لأن منظمة «أوبك» نجحت فجأة في احتكار أسواق النفط، وإنما بسبب حرب رمضان 1393 هـ (أكتوبر 1973)، إذ أملت على العرب خفض كمية ما كانوا ينتجونه من نفط، فقلّ المعروض الكلي من النفط في الأسواق، ونتيجة ذلك ارتفعت الأسعار. ولكن الأسعار ما كانت لترتفع بتلك النسب العالية لولا أن جو الحرب أيضاً خلق المخاوف في نفوس المستهلكين، فزاد الطلب على النفط بنسبة عالية أملتها توقعات طارئة، وذلك بدوره أدى إلى مزيد من تصاعد الأسعار.
وقد حدث الشيء نفسه تقريباً في مستهل عام 1979 حين اتفق أعضاء منظمة «أوبك» على رفع أسعار النفط السائدة حينئذ (13 دولاراً للبرميل) بنسبة 10 في المئة، ثم ألغت الأحداث في إيران مفعول هذا الاتفاق، فارتفعت أسعار النفط في أسواقه الحرة بأضعاف تلك النسبة، فرفعت غالبية دول «أوبك» أسعار نفطها وفقاً لقوى الأسواق، وتجاهلت تماماً قرارات منظمة «أوبك» التي كانت أكثرية الصحافيين قد عوّلت عليها أكثر مما تستحقه من أهمية.
أي أن أسعار النفط ارتفعت في مستهل عام 1979 كما ارتفعت في أواخر عام 1973، لأن حوادث الشرق الأوسط السياسية في كلتا الفترتين غيرت الكميات الحقيقية المعروضة من النفط، وأثرت في «التوقعات» عن المعروض والمطلوب في المستقبل. أما وجود منظمة «أوبك» أو عدمه فلا دخل له بارتفاع الأسعار، ولا حتى بالنسب التي ارتفعت بها.
وقد شهد العالم في أوائل عام 1982 بعد اجتماع ممثلي الدول الأعضاء في منظمة «أوبك»، سقوط الأسطورة. فأُعلن على الملأ أن أعضاء المنظمة لم يستطيعوا الاتفاق لا على مستويات الأسعار، ولا على حصص الإنتاج، ولا على أي شيء آخر.
وقد كان السؤال حينذاك: ما العمل، هل ستنخفض الأسعار؟
كان من الواضح للمراقب المتابع حينذاك أن الأسعار ستنخفض عن مستواها (أي في مستهل 1982)، وقد كان السعر السائد خلال اجتماع «أوبك» في الشهر الأول من 1982 (34) دولاراً. وقد انخفضت الأسعار فعلاً في ما بعد إلى أقل من 10 دولارات.وكما ذكرت حينئذ (أي في 2-2-1982)، وما زلت أقول في الشهر الـ12 من 2014 أن الذي يتحكم بمستوى الأسعار هو مجموع المعروض ومجموع المطلوب من النفط، وما يتوقعه ذو الشأن عمّا ستكون عليه كميات العرض والطلب في المستقبل، إضافة إلى النسبة التي يتوقع أن تنمو، وفقاً لها، اقتصاد العالم ككل في المستقبل. ونجاح أو فشل منظمة «أوبك» على الاتفاق على خفض أو رفع الإنتاج ليس له تأثير دائم في المستوى الذي ستستقر عنده الأسعار.