عدم الاستقرار سيد الموقف في اسرائيل

أسعد غانم
ستكون الانتخابات الاسرائيلية المزمع اجراؤها في 17 آذار (مارس) المقبل الانتخابات العامة الثامنة في اسرائيل بعد اتفاق اوسلو الذي تم الاعلان عنه في أيلول (سبتمبر) 1993. في انتخابات 1996 انتزع بنيامين نتانياهو، زعيم حزب «الليكود» وقائد معسكر اليمين المعارض لأوسلو وللمفاوضات مع الفلسطينيين السلطة من زعيم حزب «العمل» وقائد معسكر اليسار الاسرائيلي. وأدى نصر نتانياهو المحدود الى تقلده منصب رئيس الوزراء العاشر لإسرائيل. وتميزت فترة رئاسته بالكثير من الصراعات على النفوذ، وتكللت بالفشل على جبهات خارجية ومحلية، ما أجبره على تقديم موعد الانتخابات ليواجه مرشح حزب العمل في حينه ايهود باراك في السباق الى الكنيست وإلى منصب رئيس الوزراء في ايار (مايو) 1999 وخسر المنافسة لمصلحة باراك الذي حصل على 56 في المئة من الاصوات. واستقال نتانياهو من الكنيست بعد صدور النتائج الاولى. لكن باراك دعا بدوره الى انتخابات خاصة لمنصب رئيس الوزراء في شباط (فبراير) 2001، بعد سنة ونصف سنة فقط من تشكيله حكومته، ففاز اليمين وزعيمه آرييل شارون بالانتخابات. وفي كانون الثاني (يناير) 2003 أُجريت الانتخابات العامة للكنيست السادسة عشرة، ومرة أخرى فاز اليمين وشارون بفارق كبير. واستمر خلَفه اولمرت في رئاسة الوزراء على خلفية نجاح حزب «كاديما» الذي شكله شارون بعد أن انسلخ عن «الليكود» في انتخابات الكنيست عام 2006. عام 2009 عاد نتانياهو الى رئاسة الوزراء وأُعيد انتخابه عام 2013 حتى قرر قبل شهر تقديم موعد الانتخابات وبدء التحضيرات لانتخابات الكنيست العشرين، التي ستجرى في 17 آذار (مارس) 2015.
شهدت غالبية جولات الانتخابات تغييرات ثورية في تركيبة الكنيست وهوية المنتصرين مقابل الخاسرين. في غالبية الحالات حصلت انقلابات سياسية مثّلت جدلاً اسرائيلياً حول اولويات القضايا المحورية الواجب معالجتها. على سبيل المثال: في انتخابات عام 1992 حل اسحاق رابين كزعيم لـ «حزب العمل» محل رئيس الوزراء الليكودي اسحاق شامير. وأكد رابين مواقفه وحقيقة انه عرض على المنتخبين تغييراً في الاولويات الوطنية ونهاية للصراع مع العالم العربي. في 1996 انتصر نتانياهو على شمعون بيريز، ايضاً على اساس وعده بتغيير الاولويات الوطنية والتصرف الافضل في حل الصراع مع الفلسطينيين. عام 1999 صعد باراك الى الحكم حين وعد بوضع حدّ للصراع مع الفلسطينيين والعرب، بما في ذلك انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان. وفي 2001 وعد شارون بالتعامل مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بيد من حديد، وقام ببناء ائتلاف للأحزاب والجماعات المعارضة لسياسة باراك الخارجية والمحلية. وفي العقد الاخير تطور النقاش الاسرائيلي قبل كل انتخابات ليتركز حول القضايا الاسرائيلية الداخلية مثل علاقة الدين بالحيز العام، وسياسات توزيع الموارد، والنقاش حول معنى يهودية الدولة، ليضيف الى حالة عدم الاستقرار على رغم الانزياح العام نحو اليمين وتأييد القوى اليمينية التي قد تتحدث بصوت عال عن حل الصراع مع الفلسطينيين من جهة، إلا انها تنتهج سياسات توسعية ومؤيدة للاستيطان وتعادي مساعي السلام الحقيقية، من الجهة الاخرى. وتشكل الانتخابات الاسرائيلية المقبلة محطة اضافية في عدم الاستقرار السياسي، فبينما تدخل التحضيرات لمعركة الانتخابات مرحلتها الاخيرة لتنتقل من ترتيب قوائم المرشحين وإقرار الاحزاب المتنافسة الى مرحلة التنافس على كسب تأييد المصوّتين، تتضح بشكل تدريجي الامكانات المختلفة للنتائج المحتملة التي تفيد بأن اسرائيل ستنتهي من الانتخابات المقبلة لتدخل بعد فترة وجيزة في تحضيرات للانتخابات التي ستليها. ومما لا شك فيه أن هذه الانتخابات التي تم اقرارها على خلفية خلافات بين احزاب الائتلاف الحكومي ادت الى تدهور العلاقات الداخلية بينها الى حد الاتفاق على الذهاب باكراً الى صناديق الاقتراع قبل اقل من عامين من الانتخابات السابقة. ولن تؤدي هذه الانتخابات الى ما يتمناه نتانياهو، من حيث امكانية الحصول على حكومة مستقرة تستطيع ان تحكم مدة دستورية كاملة كما ينص القانون، بل يتوقع ان يحصل على تركيبة منقسمة للكنيست «تضمن» عدم الاستقرار وتمهد للذهاب مرة اخرى الى صناديق الاقتراع، بعد فترة وجيزة، قد تقل عن فترة حياة الكنيست الحالية.
مبدئياً، تفيد نتائج غالبية استطلاعات الرأي التي تُنشر تباعاً في اسرائيل، بأن معسكر اليمين سيتعادل في قوته مع معسكر الوسط – اليسار، وستحكم التوازنات بينهما احزاب معسكر الوسط، التي تمثل حالات غير مستقرة، وتتفاقم داخلها النقاشات تباعاً، لتصل مرة تلو الاخرى الى خلافات داخلية او حتى خلافات مع شركائها في الحكومة، ومن ثم تكون مساهمة في تردّي حال الاستقرار والوصول الى تقديم موعد الانتخابات. وما زال هناك شهران ونصف شهر امامنا لإجراء الانتخابات، إلا ان من المستبعد ان تحصل تغييرات جذرية في تركيبة الكنيست المقبلة، مختلفة عما تتوقعه الاستطلاعات الحالية، الا اذا حصلت احداث كبرى تؤدي الى هزات جدية في ميول غالبية الاسرائيليين، وهذا بالطبع ليس من مصلحة حزب «الليكود» الحاكم الذي سيسعى الى الحفاظ على الوضع الحالي، قدر الإمكان.
إن لعدم الاستقرار السياسي مغزى محلياً داخل المجتمع الإسرائيلي في كل ما يتعلق بالتضامن الداخلي، وأهداف الصهيونية، وتحقيق السياسات البنائية للمستقبل. هكذا، يتضح أن أهم مشروع للصهيونية – وهو خلق أمة يهودية – اسرائيلية في البلاد – قد فشل. بدلاً من ذلك، فإننا نشهد بزوغ جماعات تلاحق اهتماماتها الخاصة وتحطم مصالح غيرها. عدم الاستقرار هذا له أثر عميق وواضح في علاقات إسرائيل بالشعب الفلسطيني. ويكمن جوهر ذلك في إمكانية ضئيلة جداً تحت تهديد المجموعات المختلفة وممثليها في الكنيست لتحقيق الاستقرار الذي يجعل من الممكن إنجاز قرارات بعيدة المدى تتعلق بمستقبل الصراع وتؤدي الى التوصل إلى تسوية مقبولة على الفلسطينيين. ذلك يعني أن تسوية سلمية تتوافق مع الخطوط العريضة للفلسطينيين هي أمر مستحيل في سياق السياسة الاسرائيلية التي تفتقد حالة استقرار أساسية، بغض النظر عن القوى التي تشكل الحكومة، سواء أكانت يمينية ام يسارية. هذه الحالة هي مستعصية ولن تتبدل قريباً، مما يجب ان يؤدي الى مراجعة جدية، فلسطينياً وعربياً، لما تسميه القيادات الفلسطينية بالمفاوضات الثنائية كـ «خيار استراتيجي»، ويجب ان يبدأ ذلك بترتيب البيت الفلسطيني والعربي في هذا السياق.