عقدة غريبة

امضيت سنوات طويلة وانا اجهل مفردة (اوديب) وكانت تزداد صعوبة لانها ترد على هيئة مصطلح (عقدة اوديب) وبسبب تكوينتي الخجولة كنت استحي ان أسال المثقفين  من حولي عن معناها ، مع ان  طلب العلم فضيلة ولا يدعو الى الحرج ، ولكن المثقفين المحيطين بي يومها ، هم الحرج نفسه ، ولو قلت لهم : هل اوديب رجل ام امراة ، وما هي عقدته وما خطورة هذه العقدة بحيث دخلت المسرح والادب وعلم النفس ، لضحكوا مني وعاملوني معاملة استصغار وربما ابعدوني عن حضور مجالسهم ولذلك كرهت هذه المفردة حتى اصبحت عقدتي الخاصة الى ان قيض الله لي كتابا وقع بين يدي مصادفة ، وانا  طالب في الخامس الاعدادي ، فقرأته بنهم واعدت قراءته .
الحق لا غنى عن هذا الكتاب لاي مبتديء في دروب الثقافة لانه لم يترك عقدة وردت في الاساطير او مصطلحات علم النفس الا وشرحها بالتفصيل واتى على حكايتها ، ولذلك تحررت في كلامي بمناسبة وغيرها ولم يعد احد قادرا على اتهامي بالامية او نصف المثقف !!.
يعد  التعرف على هذا الكتاب من وجهة نظري اكثر اهمية من اوديب وعقدته لان مؤلفه وهو عالم نفس وكاتب مسرحي بذل فيه جهدا كبيرا ، فبعد ان قدم عرضا وافيا لاشهر العقد المعروفة طرح استنتاجين يمثلان فتحا جديدا في المباحث النفسية اولهما (لا يوجد انسان على الكرة الارضية من دون عقدة ) ، ولكن بعضها من القوة والتاثير بحيث تظهر جلية في السلوك وبعضها خفية ، ولكن يمكن الكشف عناه عبر التحليل النفسي ، وثانيهما ـ وهي غريبة الى حد بعيد ـ لان المؤلف يعتقد اعتقادا بان العقد ليست حصرا بالانسان فهناك حكومات ومؤسسات دولة ووزارات يمكن ان تحمل ما يسميه (فايروس العقد) وغالبا ما يكون هذا النوع شديد الاذى على حد تعبيره ، لان من شانه احيانا الاساءة الى العلاقات الدولية ، او الى العلاقة بين المواطن وبين الاجهزة الحكومية !!.الحقيقة لم استطع هضم هذا الاستنتاج او فهمه ، فاذا كانت عقدة الانسان طبيعية وناتجة عن جملة من التداخلات بين الاحاسيس والمشاعر والافكار والمواقف فمن اين تاتي عقدة الحكومة او الاجهزة التنفيذية وهي من غير مشاعر ولا احاسيس ، ولكن المشكلة ان ما ذهب اليه الرجل صحيح ، ونلمسه في الكثير من مفردات حياتنا اليومية ، والا كيف نفسر على سبيل المثال قيام جماعة الحكومة بتهديم اي رصيف جديد ليقيموا غيره بمواصفات ادنى ما لم تكن لديهم عقدة اسمها (عقدة الارصفة) ومن يدري فربما ـ على ما اتصور ـ عثر  احد كبار المسؤولين بالرصيف في طفولته او لانه بحسب تصوري كذلك معقد من كل شيء يمت بصلة الى النظام الدكتاتوري السابق حتى لو كان رصيفا وربما :
*استاذ … الا تتصور بان الموضوع له علاقة بالفساد المالي ؟ !
ـ مع الاسف  لم يرد هذا التصور على بالي !!.