غريب العائلة

بعد ان التحق العراقيون بركب المشردين والمهجرين واللاجئين ,وتواردت حكاياتهم وإخبارهم وقصصهم في البلدان البعيدة ,عرفنا معهم ان الانبهار بالحياة في عواصم العالم الكبرى ما يلبث ان يتلاشى ويختفي ,وتحل مكانه مشاعر الكآبة والضجر ,وانها حياة تتوفر على كل ما يحتاجه الإنسان ولكنها للعراقي مجردة من ايما روح وطعم وبهجة ,ثم تغدو مملة ولا تحتمل ,فالحياة ,في النهاية منبت وبيئة ورحم وتجربة وذكريات وتواصل روحي ..وكان الشاعر السوري,ادونيس,مؤثرا باعترافه انه يدفع عمره مقابل العودة إلى قريته السورية ليتنفس طفولته وذكرياته ,يتنفس ويعيش انتمائه ووجوده …وان آلاف العراقيين في أصقاع العالم يقتلهم الضجر وتبتلعهم الكآبة ومشاعر اللامعنى ,ولكنهم لا يفكرون بالعودة الى الوطن …فالكآبة ارحم من عودة الى وطن شوهه الإرهاب ومسخته الطائفية ,وفقد فيه أناس كثيرون ميزة وعظمة الإحساس والادراك وباتوا لا يلتفتون الى انهم يتبارون بقيم وقناعات واعتبارات صار غيرهم  يخجل ويستر وجهه منها ..وان كانوا هم الأكثر ادعاء بقيم الفروسية والكرم والوفاء والتزاماواخلاصا  للإيمان الديني …  
احد المهاجرين خاض تجربة معقدة وطويلة ملخصها انه بزيارته للعراق وبعملية تنكرية ,عاش مناخه وبيئته واصله وحنينه للماضي بكامل حريته …كان يوجعه الا يستطيع ان يدخل إفراد عائلته وأهله وأصدقائه في قلبه فعلا …كان يحتضنهم ويشربهم ويذوب فيهم …وانه اذ يتجول في الشارع والمدينة فانه كان يتجول في بيته الكبير وعائلته المباركة ..ويتمنى لويعانق كل الناس وكل العراقيين وكل ذرة تراب عراقية …وهو أحساس ساوره وعصف به من قبل ..قبل السفر والهجرة ..ولكنه الآن أكثر حدة وطغيانا…و..زبدة تجربة المهاجر تقول انه يجزم بأنه لا احد من سياسيي الصدفة ..لا احد من الطائفيين …لا احد ممن طوحوا بالعراق إلى هذا المصير قد مس قلبه الشعور بأنه في عائلة عظيمة  بحجم العراق …ولابرحه الحنين والشوق لمواطنيه وهو بينهم ,كما العشاق يحنون ويشتاقون لبعضهم البعض وهم يتعانقون …لا..لايمكن أن يكونوا قد جربوا هذه المشاعر,ولا عرفوا لحظة من الخروج عن أنفسهم وأجسادهم ودناءاتهم … وجاءتهم السياسة ووقعت على هواهم وعلى طبائعهم المريضة.
نعم يعتري البشر الوهم والخطأ ويوسس له الشيطان وتسوغ له النفس الأمارة بالسوء ان يكره ويطمع ويحترب ولكن العراقي من لا يحق له ذلك …فثقافته وحضارته وتجربنه ونبوغه وعراقته الدينية تمنع عنه مثل هذا الانزلاق …ثم انه كيان من قلب ,من شعر ,من محبة وفهم للحياة  فما الذي أوهمه وسوغ له ما هو فيه؟؟؟العراقي شجاع والشجاع كريم ..والكريم لا يستحوذ ولا يصيبه الجشع ولا يجيد التقبيح وارتداء أقنعة الصفيح …الا أن النتيجة هو انه مشرد في عواصم العالم يرزح تحت السأم والضجر والملل ..وانه في الداخل لا يطمئن لمن عاش معه آلاف القرون …