المستقبل العراقي/متابعة
– يمر شريط الذكريات مسرعا أمام عينيه كلما نظر إلى أبنائه مستدعيا طفولته التعيسة البائسة حينما كان يحلم بامتلاك مبلغ قليل من المال لشراء لعبة يرضي بها براءته الحزينة المفتقرة لكل شيء حتى أبسط الاحتياجات التي تلزمه ليمارس طفولته كما ينبغي أو بالأحرى كما تقتضيها تلك الشقاوة التي تشعره بلحظات الفرح الحقيقية التي افتقدها بسبب صرامة الأهل واقتناعهم التام بأنها السبيل لإعداد جيل ناجح قوي قادر على مقاومة الصعوبات.
يحاول جاهدا أن يجد لقسوة والده عذرا لكنه لا يجد وربما لا يريد ذلك كونه يعارض مبدأه في التربية القائم على الضرب مع تجاهله المستمر لفكرة أن هناك سببا مهما وراء أي خطأ يرتكب. تستوقفه قليلا كل الأشياء التي كانت تفرض عليه فيعمد إلى تنفيذها مجبرا بدون حتى أن يفكر بضرورة مناقشتها معه ربما لأنه كان يعرف مسبقا ردة فعل والده الحازمة والتي ترتكز في الأصل على نقطة وحيدة وهي أنه أدرى بمصلحته كونه قادرا على رؤية الحياة بعين الخبرة والحكمة والموضوعية.
قد تكون الطفولة التي عاشها والتي ما تزال تؤلمه كلما تذكرها طفولة معنفة مضطهدة خالية من تلك التفاصيل الشفافة الرقيقة المنسجمة مع البراءة والعفوية، لكنها من وجهة نظر الأهل ليست كذلك أبدا بل على العكس تماما هي شكل من أشكال تربية الزمن القديم حينما كان الأبناء يتقيدون بالطاعة والانضباط والقدرة على تحمل المسؤولية منذ الصغر متأقلمين مع وضعهم المعيشي المتردي والذي يصر على أن ينتزع منهم إحساسهم بالاستقرار والأمان.كل ما يريده الآن ويرغب في تحقيقه بعد انقضاء كل تلك السنوات المؤلمة والقاسية حسب رأيه وبعد أن أصبح أبا لأربعة أطفال هو أن يوفر لهم الحياة الجيدة سواء على المستوى المادي أو على المستوى المعنوي، لذلك يحرص كثيرا على أن يمدهم بالعطف والحنان الدائمين لدرجة أنه بات يعاملهم بمرونة شديدة أفقدته حقه في التدخل باختياراتهم غير المنطقية والتي غالبا ما تخالف رغبته ومع ذلك يغلو بعاطفته الأبوية التي يحاول من خلالها تجاوز ألم المعاناة رافضا أن يعيش أبناؤه الحياة التي عاشها في الماضي مستسلما لتلك الفكرة التي تشعره بأن عليه أن يمنح أبناءه الدلال الذي افتقده في طفولته حتى وإن كان المقابل هو تجريده من سلطته ورضوخه الكامل لتنفيذ رغباتهم غير المقنعة.وينسى أن إفراطه في تدليلهم يجعل منهم أشخاصا غير مسؤولين عن تصرفاتهم لا يتقنون حتى اتخاذ القرارات الحكيمة التي تصب في مصلحتهم وأيضاً يحولهم ذلك الإفراط إلى شخصيات اتكالية وفي أغلب الأحيان نرجسية يصعب عليها التكيف مع العالم الخارجي، كما أن ذلك ينطبق تماما على المبالغة في القسوة كونها تنتج جيلا هشا ضعيفا مهزوزا من الداخل لا يستطيع المبادرة أو المغامرة، الأمر الذي ينمي لديه الشعور بالعداوة لكل من حوله.كل ما ينبغي عليه في هذه القضية الشائكة هو أن يفكر جديا في ضرورة تخطي تلك الفكرة التي تجبره على التساهل والتراخي مع أبنائه الذين اعتادوا على الدلال المفرط البعيد كليا عن الرفق والمحبة والحنان، هذه المشاعر الحقيقية الصادقة التي نحتاج إليها جميعا والتي تمنحنا فعلا القدرة على اجتياز كل التجارب الفاشلة ويبقى تشويهنا المستمر لها وفهمنا الخاطئ لأهميتها هو السبب الرئيسي للتمادي في الخطأ الذي يجعلهم كآباء اختبروا مشاعر القسوة أن يتركوا أبناءهم بدون أي قيود تردعهم أو على الأقل تضبطهم معتبرين ذلك هو الصواب كونه يرضي ذواتهم التي سئمت التسلط والحرمان وما تزال حتى الآن تبحث عن تعويض حقيقي يحررها من كل المشاعر التي عاشتها في الماضي.