دعونا نستعرض ثمار هذه الحالة المزرية من دون التعرف على بذورها وجذورها ومغذياتها، فنبدأ باستعراض نتائجها المفزعة، وتداعياتها المقلقة للمجتمع. فقد تصاعدت وتيرة الخوف والهلع خشية تنامي قوة القبلية إلى الحد الذي قد تخرج فيه الأمور عن السيطرة في جنوب العراق. آخذين بنظر الاعتبار أنها ربما خرجت بالفعل عن السيطرة، فالمعارك المتصاعدة هذه الأيام بين قبائل الجنوب، وما رافقها من مواجهات قتالية بالأسلحة الثقيلة والخفيفة، توحي بتردي الأوضاع وتدهورها.
من الواضح جداً أن الحكومات العراقية المتعاقبة هي التي أسهمت في تغذية القوى العشائرية المارقة، وهي التي نفخت فيها حتى تمددت بالطول والعرض، فأصبحت قوة ضاربة لا يستهان بها.
لقد تباينت الأساليب والحالات التي اشتركت فيها تلك الحكومات في تعبئة العشائر وتسليحها على مراحل متوالية تعددت فيها العوامل الظرفية، وتوحدت فيها النتائج المزرية، التي عززت من قيم التسليح، فتوسعت رقعته وتعمقت أهدافه.
لم تعد الصراعات العشائرية مقتصرة على عمليات القتل والنهب والترحيل القسري بالقوة، ولم تعد مقتصرة على الثأر والانتقام، فقد قفزت فوق تلك الخطوط التقليدية وتجاوزتها إلى خطف الرهائن ومساومة ذويهم على دفع الفدية بالعملة الصعب، وتخصصت بعض القبائل بقطع طرق المواصلات، والاستيلاء على المركبات ونهب محتوياتها، ولسنا مغالين إذا قلنا أن بعض القبائل أقدمت أكثر من مرة على منع التجوال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ووصل بها التمادي إلى إقامة نقاط التفتيش ومسائلة المارة، ومن ثم قتلهم على الهوية العشائرية.
صار من المألوف سماع دوي المدافع الرشاشة وهي تقطع سكون الليل في ضواحي المناطق الجنوبية، وصار من المألوف أن تتغاضى مؤسسات الدولة عن الخروقات والانتهاكات العشائرية المتكررة خوفاً من التورط بالدخول في مواجهات مباشرة مع أبناء بعض العشائر المعروفين بكثرتهم وقسوتهم وبطشهم واستهتارهم.
الطامة الكبرى أن المواطن المسالم الذي لا ينتمي إلى تلك التنظيمات العشائرية وجد نفسه يعيش بمعزل عن الغطاء الحكومي الذي ينبغي أن يوفر له الحماية، ويضمن حقوقه المدنية، ثم تعمق شعوره بالغربة عندما اكتشف أن حكومته صارت هي التي تتودد للعشائر المستفحلة، وهي التي تسعى لنيل رضاها، وبخاصة في مواسم الانتخابات من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية. وبدت التكتلات القبلية واضحة في تلك الفعاليات ولاسيما بعدما ظهرت طموحات بعض القبائل في أن يكون لها تمثيل كبير في السلطة لتقوية نفوذها. الأمر الذي أدى إلى رسم أكثر من علامة استفهام حول مدى سيطرة الحكومة على القبائل المرعبة. كما طرحت تساؤلات أخرى عما إذا خرجت تلك القبائل عن سيطرتها من عدمه، وبالتالي أصبحت الدولة تخشى تلك القبائل وتحسب لها ألف حساب.
لذا كان من الطبيعي أن يقف الناس وقفة رجل واحد مع الحملات التي تبناها محافظ البصرة لنزع أسلحة القبائل الكبيرة المنتشرة في المناطق النائية. فالمواطن الجنوبي يتطلع الآن بفارغ الصبر لقيام الحكومة بتولي مسؤوليتها، والتمسك بالحزم في التصدي لظاهرة التسليح العشائري التي باتت تهدد الأمن والاستقرار.
نحن الآن في أمس الحاجة إلى حكومة قوية حاسمة قادرة على فرض هيبة الدولة. سيما أن تفاقم دور العشائر وتصاعد مخاطرها يأتي على حساب انحسار دور الدولة، ويؤشر لخلل خطير، ويدلل على ضعفها وانهيار مؤسساتها. ونعلن وقوفنا منذ الآن مع أي خطوة جادة وعادلة تتبناها الحكومة لفرض الأمن والاستقرار. ومن الله العون والتوفيق.