مياه النيل.. محاصصة أم تعاون؟

عبدالله عبيد حسن
في أكتوبر 1959 كنت شاهداً على توقيع اتفاقية مياه النيل الثانية بين جمهورية السودان ومصر، والتى بموجبها وافق السودان على قيام السد العالى، مما تسبب في إغراق مدينة حلفا السودانية التاريخية وتكوّن أكبر بحيرة مائية صنعها الإنسان.
وصلت المفاوضات بين وفدى البلدين السودانى (برئاسة اللواء طلعت فريد الرجل الثانى بعد الفريق عبود) والمصرى (برئاسة البكباشى زكريا محيي الدين نائب الرئيس عبدالناصر ومسؤول ملف السودان)، إلى نقطة رأى فيها اللواء طلعت أن يطلب رفع المفاوضات ليتصل بالفريق عبود رئيس المجلس العسكري الحاكم. وبعد يومين طلب طلعت الاجتماع مع الرئيس عبدالناصر لينقل إليه رسالة من عبود مضمونها فيما علمنا بعد أن الأخير قد كلفه أن ينقل إلى عبدالناصر اقتراحاً بتفويضه بحل نقطة الخلاف بين الوفدين حول نصيب كل من البلدين من مياه النيل بما يراه عادلا لكل منهما، وأن السودان سيرضى بحكم عبدالناصر. وقد كان، وهكذا واصل الجانيان مفاوضاتهما والتي انتهت بالاتفاق الذي دخل التاريخ بعنوان اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان لعام 1959.
كان المرحوم المهندس القدير محمود جادين، الذي أصبح وزيراً للري في وقت ما، يردد القول إن المشكلة ليست في توزيع الحصص بقدر ما هي في التحديات الخطيرة التي ستواجه كل بلدان حوض النيل مستقبلا حين يصبح الوارد من مياه النهر ليس كافياً لتوفير متطلبات جميع الشعوب التى تعيش في منطقة الحوض، فعندئذ ستواجه دول المنطقة تحديات تفرض عليها التفكير والعمل لإيجاد موارد مائية لتحقق التنمية والرخاء والحياة الآمنة لشعوبها، ولن تكون أمامها من سبل لذلك سوى التعاون الجماعى فيما بينها.
وهذا الأسبوع استضافت الخرطوم الاحتفال السادس بـ«يوم النيل» تحت شعار «المياه وتحسين الحياة.. الفرص في ظل التعاون بين دول حوض النيل». وكانت مصر قد أنهت مقاطعتها لمبادرة حوض النيل بعد انقطاع دام أكثر من خمس سنوات، واستُقبلت مشاركة مصر في اجتماعات مبادرة حوض النيل بترحيب حار من ممثلي الدول واعتبروها خطوة نحو حل الخلاف بين مصر وبعض الدول الموقعة على المبادرة. فمصر كانت قد أعلنت احتجاجها على اتفاقية المبادرة التى وقعت في عنتيبى، والتي تتضمن بنودها عدم الاعتراف بالاتفاقات التاريخية الموقعة حول مياه النيل. ولمصر موقف حساس حيل هذه الاتفاقيات، التى كرست حصتها من مياه النيل، والتي تعتبر المساس بها تهديداً لأمنها القومى.
تذكرت المرحوم المهندس محمود جادين ورؤيته الثاقبة حول تحديات المستقبل عندما قال البروفسير سيف الدين حمد رئيس اللجنة الاستشارية الفنية لمبادرة حوض النيل في حديث صحفى: «من الواجب علينا أن نخطو خطوات مدروسة وثابتة في سبيل إشراك الجميع ولم شملهم من أجل الاستغلال الأمثل للموارد في حوض النيل، منفعة لأهله وحفاظاً على مياهه».
بعد مسيرة طويلة تخللتها مواقف وعقبات خلصت دول الحوض إلى أنْ لا خيار لها سوى التعاون حول المياه بغية الاستغلال الامثل وزيادة الموارد المائية وإدارتها بكفاءة ضمن رؤية مشتركة لجميع دول الحوض.
وقد توصلت مصر إلى أن المقاطعة لن تحقق هدفاً وأن الحوار بين دول الحوض هو الأجدى. وهنالك اليوم مؤشرات على أن الاتفاق الثلاثى بين مصر والسودان وإثيوبيا قد يحقق تقارباً بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة الإثيوبى.