عشق الأوطان

باسل محمد
الكثيرون في بلادي العربية باتوا لا يثقون بالسياسة والسياسيين في كل علاقاتهم مع قضية بناء الأوطان لأن كل ما يحصل من خراب وحروب واقتتال يدل على هذا المعنى بصدق، كما أن قسماً مهماً من الجمهور العربي الذي يسعى الى العيش الكريم أصبح يدرك أن عالم السياسة اجتهد في السنوات والعقود السابقة في مسألتين حيويتين: كيف يمكن السيطرة على المجتمع لضمان بقاء السلطة؟ وكيف يمكن نهب الموارد العامة رغم أن هذه الموارد هي ملك للمجتمعات الانسانية ولها دور في تنمية نوعية حياتها؟.
بصراحة، السياسة والسياسيون في بلادي العربية لا يزالون لا يؤمنون بأن العمل السياسي يمكن أن يكون عبارة عن مستوى متقدم للغاية من مستويات عشق الأوطان لا سيما السياسيين الموجودين في دوائر القرار والمسؤولية العليا.
بعيداً عن المثالية،  كنا نحلم بأشياء جميلة لأوطاننا ونحن شباب صغار وكنا نعلم أن تحقيق هذه الأحلام العظيمة للمجتمع يتطلب منا الوصول الى دائرة القيادة والقرار والتأثير التي ستسمح لنا بوضع الخطط والوسائل لبناء سعادة الأوطان ورخائها وبالتأكيد كان سياسيون كثيرون يحلمون الأحلام ذاتها لكنهم عندما وصلوا الى دائرة القرار لم يحققوا أحلامهم في عشق الوطن بل سعوا الى أحلامهم الخاصة الضيقة.
كنت أتحدث مع أصدقاء مقربين حول حاجة السياسة والسياسيين الى مدارس خاصة في بلادي العربية تعلمهم العشق الرومانسي في حب الأوطان بدلاً من قراءة نظريات ماركس ولينين وأنجلس وكل الجماعات السياسية الايديولوجية التي تلاعبت بمصير أوطانها وعرضتها الى كل هذا التعثر والدمار.
بالفعل، هناك جمهور واسع وعريض في بلادي العربية، بات يشعر بالملل والضجر عندما يتحدث سياسيون وقادة عن الشعارات الوطنية، فعشق الأوطان لا يحتاج الى شعارات بل الى طرق فعالة نبرهن فيها بأننا عاشقون لهذا الوطن.
يعني العشق الرومانسي للأوطان، أن لنا هدفا محددا كسياسيين وهو سعادة ورخاء مجتمعاتنا لأنه ليس مطلوباً أن نسعى الى اقناع الناس بإيديولوجيا معنية يجب ان يدافعوا عنها وليس المطلوب أن ندرس أبناءنا التعاريف الخاصة بالوطنية والعلاقة مع الوطن ولذلك كل أدبيات أحزابنا السياسية لا تزال تخلو من عبارة سعادة الأوطان وكيفية عشقها بطريقة صحيحة.
في المفهوم الديمقراطي، يمكن للعشق الرومانسي للأوطان أن يقنعنا بشكل عملي بمشاركة الشركاء في الحكم والتخلي عن السلطة بطريقة سلسة والتعاون مع المعارضة والاصغاء لها، كما يمكن لهذا العشق أن يلهمنا بأن الأوطان يجب أن تدار من دون استحواذ وكراهية.
في عشق الأوطان، سيقتنع الكثير من السياسيين بأن نجاحهم مرهون بملامح السعادة المرسومة على وجوه البشر في الطرقات والأحياء والمدن والأقضية، كما أن معنى هذا العشق هو أن نبني هذا الوطن لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن نعيش فيه وهو خيارنا الوحيد.وفي العشق الرومانسي للأوطان، سيختار السياسيون الوطن دائماً ومصلحته وسلامته ومصيره الجميل والسعيد عندما يخيرون بين السلطة وبين الوطن، بين المكسب من السلطة وبين المجتمع، بين الكرسي الذي يجلسون عليه وبين أن يناموا على تراب وطن سالم وآمن وسعيد.
ببســاطة شـديدة، في عشــقنا الرومانسي للوطن، نرى ان هذا الوطن أهم بكثير من مصالحنا ورغباتنا وكل حساباتنا وكل انفعالاتنا وكل ايديولوجياتنا وحتى كل كراماتنا المزيفة التي يمكن أن نقنع بها أنفسنا لنقاتل الآخرين من أخوتنا باسم الدفاع عن الوطن لكنه في الحقيقة هو دفاع عن السلطة ومكاسبها ومتعها. وفي هذا العشق الرومانسي للأوطان، ليس هناك مكان للاستبداد والقمع والتخوين، فكلنا وطنيون ومواطنون ولكل واحد منا دوره في بناء الوطن وسعادته، فالعاشق لا يقتل ولا يبطش ولا يسيء للآخر ولا يتآمر لأن هذه الصفات هي صفات السياسيين غير العاشقين.