السليمانية واحتمالات انفصال المنفصل

من ينظر الآن إلى أوضاع الصراعات السياسية المعلنة هذه الأيام بين الأطراف المتشابهة. يشعر بعمق التنافر الحاد بين الأخوة الأعداء، فقد شهدنا فصول التنافر بين المسلمين والمسلمين، ثم انتقلت بنا بوصلة الصراع إلى التنافر الطائفي بين (السنة والسنة)، وبين (الشيعة والشيعة)، ولم يخطر ببالنا أن التنافر سيهدد قلعة أربيل، ليدق نواقيس الجولة الأولى في حلبة الصراع المفتوحة الآن بين الأقطاب الكردية المتنافرة، ويعلن عن تصاعد الدعوات لفصل (السليمانية) عن جسد الإقليم الكردي المرشح للانفصال من جسد العراق، باعتبارها خطوة انفصالية لابد منها لتقسيم المنقسم على نفسه، أو لفصم المنفصم من روابطه الهشة، تمهيداً لتشكيل إقليم كردي هجين يهدد وحدة الأكراد في عقر دارهم، ومما ساعد في الترويج لإقليم (السليمانية) هو قرب انتهاء الولاية الثانية من رئاسة بارزاني، ورغبته في التجديد لولاية ثالثة، وهو ما يتعارض مع دستور الإقليم، الذي ينص على تحديد فترة الرئيس بدورتين متعاقبتين فقط، ولا يحق له التجديد أو التمديد.
تأتي هذه التكهنات في خضم الدعوات العارمة لفك ارتباط (محافظة) السليمانية، في الوقت الذي تتواصل فيه المساعي الكردية لضم محافظة (كركوك) الغنية بالثروات المعدنية. يزعم البارزاني (مسعود) أن هذه المساعي هي تقولات ومجرد أوهام، أو أضغاث أحلام تراود البعض خلافاً لإرادة الكرد، ويرى أن وحدة الإقليم لا يمكن المساس بها تحت أي ظرف وبأي وسيلة. موجهاً كلامه هذا إلى حركة التغيير المعارضة بزعامة (نشيروان مصطفى)، بعد تبوأها المرتبة الأولى في الانتخابات، التي جرت في أيلول الماضي، ملحقة هزيمة بحزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال طالباني، الذي حل بعدها ثانياً في مدينة تمثل معقل حزب الاتحاد ومقر قيادته التاريخية. على الصعيد نفسه اتهمت حكومة الإقليم حركة التغيير المعارضة بالدفع باتجاه نظام الإدارة المزدوجة، والاصطياد بالمياه العكرة، وحذرت حكومة كردستان في بيان رسمي القوى السياسية من تبعات التصريحات، التي تهدد النظام الفدرالي برمته. الحقيقة المرة التي ينبغي الاعتراف بها. أن دعوات انفصال السليمانية باتت هي الشغل الشاغل للكثير من السياسيين والنواب والمثقفين الأكراد، الذين انقسموا بين مؤيد ومعارض لها، رغم أن بارزاني وقيادات حزبه يحاولون التقليل من أهميتها، فالوقائع على الأرض تشير إلى أن حزب الاتحاد الوطني، الذي تعرض لسلسلة صراعات سياسية في قمته العليا خلال السنتين المنصرمتين، وغياب زعيمه التاريخي جلال طالباني بسبب مرضه، بدأ ينتعش شيئا فشيئا مستغلا مشروع إقليم السليمانية لتنشيط دوره مركزه بعد أن أصابه الضعف والوهن في الفترة القصيرة الماضية. يا للعجب. صارت قوانين الفيزياء هي التي تحكم العلاقات السياسية، وهي التي تتحكم بها. وليس أدل على كلامنا هذا من تنافر الأقطاب الحزبية المتشابهة في عموم المنطقة، وهي بطبيعة الحال لا تختلف في سلوكها هذا من حيث تماثلها مع خواص المواد المغناطيسية، التي تظهر التنافر بين أقطابها المتشابهة، بينما يكون التجاذب من حصة أقطابها المختلفة، ذلك أن خطوط الفيض المغناطيسي تسري من الطرف الموجب إلى السالب. وهذا هو الفرق بين التقارب الأيدلوجي والتباعد السياسي في ثنائية التنافر والتجاذب والتفرقة والمعاداة. والله يستر من الجايات.