تؤرقني أفاعي الطائفية المتناسلة هذه الأيام في قماقم فقهاء البنتاغون، ويزعجني انتشارها في متاهاتنا العربية، فوجدت نفسي مضطراً لاختيار عنوان رواية (خريف البطريرك) لماركيز لأكتب عن بطريرك كارتوني، وجنرال بوليسي. خرج علينا من ثكنات الشرطة الخليجية ليضيف الرياح القوية للمهزلة، فالتصريحات التي يطلقها (خلفان ضاحي خلفان)، ويتداولها الصبيان تستحق وقفة خاصة، لما تحمله من دلالات مخيفة. تأتي في خضم التحولات السياسية، التي يعيشها الشرق الأوسط منذ اتساع دائرة التواجد البحري الأمريكي في حوض الخليج العربي.صار واضحا أن مأمور مركز شرطة دبي (الجنرال خلفان)، هو الذي أقحم نفسه في صفوف الخبراء الذين يرسمون سياسات الأمة، وهو الذي ظن واهماً أنه مكلف بتشخيص أمراضها المستعصية، والمصادقة على مخططاتها المستقبلية. فالخلفان قائد للشرطة، والشرطة في خدمة الشعب. والشعب يسعى بأقدامه نحو الانقراض على يد القرضاوي ورهطه. والقرضاوي هو البطريرك القابع في الدوحة القطرية، في مكان لا يبعد كثيرا عن أوكار المارينز، وثكناتهم المتخمة بالأسلحة التدميرية الشاملة.اللافت في تصريحات (خلفان)، أنه انتقل من مجاله الأمني في فك الازدحامات المرورية، ورصد المخالفات اليومية في شوارع دبي، ليلعب دور المهرج الأول في السيرك السياسي الخليجي، وربما نجح إلى حد ما في نشر الرعب الطائفي المتلاقي مع المصالح الغربية في المنطقة. من يتابع خطاباته يشعر بمخاطر المرحلة، التي تحول فيها هذا الشرطي إلى مُنَظِّرٍ سياسي وناطق إعلامي، وهذا يفسر مأساوية الأوضاع المزرية التي نمر بها في ظل التداعيات الأخلاقية المشوهة للعقل البشري.فجأة صارت إسرائيل هي الدولة الودودة الوادعة المسالمة، التي يسعى الخليجيون لمد جسور التعاون معها، وفجأة تحولت سوريا والعراق واليمن إلى بعبع لابد من القضاء عليه، ولابد من الانتقام منه بأي ثمن. وفجأة تحول الحشد الشعبي العراقي إلى رمز من رموز الإرهاب، بينما تحول الدواعش ومن خلفهم القاعدة وبوكوحرام إلى قلعة من قلاع الردع الطائفي في مواجهة الديناصور الشيعي.
وفجأة تحول التأجيج الطائفي للفتنة البغيضة إلى استنفار مشروع للذود بالدفاع عن أهل السنة والجماعة، وصار الخنوع والخضوع لإسرائيل من متطلبات المرحلة من الوقوف بوجه التيارات، التي ينعتونها بالشيعية والصفوية والمجوسية، والتي شملت أيضاً القضاء على الطوائف المسيحية والأيزيدية والعلوية بكل صنوفها وتصنيفاتها.إلى هذا المستوى وصل السقوط والتردي، وتحت هذه المسميات المضحكة تفجرت براكين الحقد والكراهية في عموم بلدان المنطقة. فالعقل العربي المعطوب صار عاجزاً عن التفكير، ومؤهلاً لتلقي شحنات التشفير الطائفي، التي تبثها أبواق (خلفان) وزمرته، وليس أدل على هذا التردي الفكري من إفرازات الحملة الإعلامية، التي قادها هذا الشرطي الطاووس لمحاربة الباذنجان الإيراني المستورد من بساتين المحمرة، والباميا المجلوبة من مزارع (بوشهر)، والخيار المقطوف من مزارع (جويبدة). بمعنى أنهم شنوا حملتهم الإعلامية المسعورة ضد منتجات إقليم خوزستان (عربستان) الزراعية بذريعة ارتوائها بمياه الجداول الصفوية، في الوقت الذي ظلت فيه أبواقهم تطالب حتى الساعة بدعم أبناء هذا الإقليم (الشيعي) ومؤازرتهم للوقوف بوجه المد (الشيعي). أرأيتم كيف تخبطت حسابات (خلفان) المخالفة لكل النواميس العقلية والمنطقية. فخلفان هذا لا يعرف كوعه من بوعه، وقد تحول مؤخراً إلى مادة للسخرية والتندر في مواقع التواصل الاجتماعي، فالرجل يرفع عقيرته بالصياح ليل نهار لمقاطعة البطيخ الشيعي، والباقلاء الصفوية، والبازلاء المجوسية، ويصر على فتح ملفات أمنية للتحري عن مخاطر الكوسة الإيرانية، وعرضها على مجلس الأمن الدولي باعتبارها من أخطر الخضروات، التي تهدد أمن واستقرار مجلس التعاون الخليجي. ألم أقل لكم أنها ولاية بطيخ.