عطيل الجفال
تلقفت دمشق طروحات المعارضة السورية التي شاركت في المشاورات التي استضافتها أستانا عاصمة كازاخستان في السابع والعشرين من شهر أيار الماضي بشأن الأزمة السورية. البيان الختامي للمشاورات أكد أن “مشاركة كل القوى الوطنية السورية وفعاليات المجتمع المدني في أي حوار، هي شرط لا بد منه في أي حل”.
المجسات السياسية في العاصمة السورية وبالتنسيق مع الحليف الروسي أيقنت ان أطراف النزاع باتت منهكة وباتت مقتنعة بعدم قدرة أي منها على الحسم العسكري، خصوصا بعد دخول تنظيم “داعش” على الخط وسيطرته على مناطق شاسعة من سوريا، مما يستوجب تغليب لغة الحوارعلى لغة الحرب عند مختلف أطراف النزاع.
من هنا يأتي طلب دمشق رسميا من موسكو العمل على عقد لقاء موسكو3 الذي قال عنه نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف أن بلاده “مستعدة لاستضافة جولة ثالثة من المشاورات بين الحكومة والمعارضة السوريتين”، مضيفاً “الآن تطلب الحكومة السورية منا عقد لقاء موسكو الثالث، ونحن مستعدون لذلك، ولو تم انعقاده اليوم، لكننا نحتاج إلى إجراء مزيد من الاتصالات مع ممثلي المجموعات المعارضة المختلفة” مؤكدا “نحن لا نفرض إرادتنا على أحد، وإن المبادرة تنطلق من السوريين أنفسهم والأمر لا يتوقف على روسيا، لأن موسكو ليست طرفا في النزاع”.
وفي حين يواصل المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا مشاورات بجنيف بين الأطراف السورية بدأت الشهر الماضي ومن المقرر أن تستمر لمدة خمس أو ستة أسابيع, وهي وفقا لتعبير دي ميستورا “مشاورات لا مباحثات سلام”، فان مدير معهد الاستشراق في موسكو فيتالي نعومكين منسق لقائي موسكو1 وموسكو2، وقد يكون منسقا أيضا للقاء موسكو3، يربط بين تلك المشاورات ومآلات اللقاء القادم، إذ يقول في تصريح صحفي انه “من السابق لأوانه الحديث عن إجراء جولة جديدة من المشاورات السورية – السورية في موسكو، بل يجب أولا تقييم نتائج المشاورات التي يجريها في جنيف دي ميستورا”، لكن دمشق تبدو مطمئنة هذه المرة لمشاركة واسعة من أطراف المعارضة بعد تلقفها لرسالة تضمنها البيان الختامي لمشاورات أستانا، تؤكد على “أهمية اعتماد “جنيف 1” إلى جانب المسارات الأخرى ومنها “موسكو 1” و”موسكو 2″، قاعدة لمعالجة الأزمة في سوريا”، ويتجلى هذا الامر عبر اعلان السفير السوري في موسكو رياض حداد الذي قال فيه “نسعى بكل جهودنا عبر مختلف الأقنية الدبلوماسية لإجراء لقاء تشاوري ثالث في موسكو وفي أقرب فرصة ممكنة، ولكن حتى الآن لم يحدد موعد لعقد اللقاء”.
موسكو احتضنت لقاءين تشاوريين بين ممثلين عن الحكومة ومختلف أطياف المعارضة السورية، موسكو1 نهاية كانون الثاني الماضي وقد شهد مشاركة محدودة، وموسكو2 بداية نيسان الماضي، وقد شارك فيه نحو 30 ممثلا عن المعارضة السورية من داخل وخارج سوريا وعن المجتمع المدني السوري من جهة، ووفد الحكومة السورية برئاسة مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري من جهة أخرى، وتوصلت الأطراف إلى ورقة توافقية بشأن تقييم الوضع الحالي في سوريا، تتضمن 10 بنود أساسية. وعلى مسار متوازي، شهدت سويسرا مؤتمر جنيف1 في الثلاثين من حزيران عام 2012، فيما شهدت عقد جولة مباحثات جنيف2 في الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 2014، ويواصل مبعوث المنظمة الدولية مشاوراته لعقد النسخة الثالثة من جنيف مع وفد من الحكومة و40 مجموعة سورية مدعوة للمشاركة في “المشاورات المنفصلة” وبمشاركة 20 طرفا دوليا وإقليميا، بضمنها ايران التي استبعدت من نسختي جنيف الاولى والثانية، يجري دي ميستورا أو معاونه معها نقاشات معمقة، لتحديد إن كانت الأطراف “مستعدة للانتقال من مرحلة المشاورات إلى مرحلة المفاوضات”.
كلا المسارين يعتمدان وباتفاق جميع الاطراف على مرجعية الوثيقة التي وقعتها القوى الكبرى في ختام مؤتمر “جنيف 1” والتي تعتبر بمثابة خطة حل سياسي للنزاع السوري المستمر منذ 4 أعوام، الا ان المؤثر الحقيقي الذي سيكون له القول الفصل في سير أي منهما هو ما تفرزه وقائع الميدان التي تزداد التباسا يوما بعد يوم، إلا ان دخول قوات حليفة للقتال الى جانب الجيش السوري قد يسرع مسارات الحسم، خصوصا وان تغول تنظيم “داعش” يؤثر بشكل سلبي على أطراف النزاع التي وصلت على ما يبدو الى طريق مسدود فيما يتعلق بالحسم العسكري، ولم يتبق أمامها سوى الحل السلمي عبر المفاوضات في مسار موسكو، او مسار جنيف، أو عبرهما معا.