عطيل الجفال
لا يمكن النظر الى ما يجري في مصر بمعزل عما يجري في المنطقة والعالم من اعمال ارهابية، إلا ان تكثيف العمليات الارهابية في مصر خلال هذه الايام متزامنا مع الذكرى الثانية لعزل الرئيس السابق الاخواني محمد مرسي، الذي جاء نتيجة ضغط جماهيري كبير رافض لحكم الاخوان المسلمين في الثالث من تموز 2013، وتعيين عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للبلاد، والذي اعتبر إجهاضا لمشروع الاخوان الذي كان يستهدف قضم دول المنطقة بالتتابع بدعم مباشر من تركيا وقطر.
اعتبرت معظم دول العالم التغيير إرادة مصرية ووقفت الى جانبه، فقد دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما حينها إلى “إعادة جميع السلطات سريعا وبشكل مسؤول إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا من خلال عملية مفتوحة وشفافة”. وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إن بلاده تأمل بأن يتم الإعداد للانتخابات في ظل احترام السلم الأهلي والتعددية والحريات الفردية والمكتسبات في العملية الانتقالية كي يتمكن الشعب المصري من اختيار قادته ومستقبله، فيما أعربت المفوضة العليا للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كاترين آشتون عن أملها بأن تكون الإدارة الجديدة في مصر شاملة بشكل كامل، وأكدت على أهمية ضمان الاحترام الكامل للحقوق الأساسية والحريات وسيادة القانون، وأصدر بان كي مون الامين العام للأمم المتحدة بياناً أوضح فيه أنه يتابع “عن كثب وبقلق” التطورات السريعة في مصر، مؤكدا على أنه يقف مع تطلعات الشعب المصري. ولم يتخلف عن الركب الدولي والاقليمي سوى تركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية وهو الجناح التركي للاخوان المسلمين، فيما تفردت قطر بموقفها عربيا بعد ان وقفت جميع الدول العربية مع ارادة الشعب المصري في
التغيير.
أعلنت كل من أنقرة والدوحة معارضتهما علنا لحكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأطلقت على الثورة الشعبية التي أطاحت بحكم مرسي توصيف الانقلاب العسكري، ثم قدمت دعما ماديا ومعنويا لقادة حركة الاخوان واحتضنتهم ومنحتهم الجنسية، الأمر الذي جعل الحركة تتمادى في مواجهة نظام حكم السيسي وتلجأ الى اسلوب العنف الذي عرفت به منذ تأسيسها لزعزعة الامن في
مصر.
وفي مصر أيضا تتضح العلاقة والتنسيق بين حركة الاخوان وتنظيم “داعش” أكثر من أي مكان آخر، حيث تمثل نشاطاتهما الارهابية الاخيرة رسائل للنظام وللعالم توحي بعودة الحركة الى تلك الاساليب القديمة في تصفية حساباتها وبمدى قوة الحركة وجموح طموحها بالعودة الى الحكم، فاغتيال النائب العام هشام بركات الذي أحال مئات الملفات المتعلقة بأعضاء الحركة الى القضاء، يذكّر باغتيال القاضي أحمد بك الخازندار الذي تم اغتياله على يد عضوين من الاخوان المسلمين أمام داره يوم 22 آذار 1948، وهو اليوم الذي كان من المفترض ان ينظر فيه بقضية “تفجيرات سينما مترو” المتهم فيها عدد من أعضاء التنظيم. كما يمثل اغتيال بركات امتدادا لنهج ترهيب القضاء، حيث اغتال تنظيم “داعش” ثلاثة قضاة وأحد وكلاء النيابة منتصف أيار الماضي في منطقة العريش شمال سيناء.
تزايد النشاط الارهابي لحركة الاخوان المسلمين في مصر مرتبط بتواريخ أحداث مهمة تحاول الحركة التغطية عليها أو التذكير بمواقفها إزاء هذه الاحداث، إذ ان اغتيال النائب العام تزامن مع الذكرى الثانية لثورة 30 يونيو من أجل تعكير أجواء الاحتفالات في ذكراها، في حين ان العمليات الارهابية التي استهدفت رجال الامن ومراكز الشرطة جاءت على تخوم الذكرى الثانية لعزل مرسي.
ما يجري في مصر يتساوق مع التجاذب الاقليمي حيث تسعى تركيا وقطر لإعادة زمن الفراعنة الى الوراء وتمكين الاخوان المسلمين مجددا على السلطة، في الوقت الذي توضح فيه الوقائع السياسية على الارض انهم أصبحوا خارج المعادلة السياسية، وإذ يحاول نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تجفيف منابع الاخوان داخليا، فان تحركه الخارجي ليس بعيدا عن هذا الهدف، خصوصا في توجهه نحو السعودية والامارات والكويت عربيا، ونحو روسيا والهند والصين دوليا، حيث تشكل هذه الدول رصيدا احتياطيا لمصر على مستوى التسليح وعلى مستوى التمويل أيضا، إضافة الى ان هذه العلاقات العربية والدولية تمهد الارض نحو عودة مصر الى الفضاء الاقليمي لتستعيد دورها المعهود في توزيع النفوذ بين دول المنطقة المعروفة بتفوقها الاقليمي على المستويين العسكري والاقتصادي.