سميح صعب
يحاول الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان لا يترك شيئا للصدفة في الانتخابات المبكرة المفترض اجراؤها في الاول من تشرين الثاني. الهدف من هذه الانتخابات الاتيان بنتائج تؤهل حزب العدالة والتنمية للحكم مجددا ولو بغالبية بسيطة بعدما تبدى ان الاتراك لا يشاركون اردوغان في احلامه السلطانية التي تريد أن تنقل البلاد من حكم برلماني الى حكم رئاسي. الآن يقبل اردوغان بمجرد البقاء على قيد الحياة سياسيا في انتظار ظروف تتيح له تحقيق ما يصبو اليه.
لكن من قال ان اردوغان يضمن ان ينال في الانتخابات المبكرة نتائج افضل مما اسفرت عنه انتخابات 7 حزيران بالنسبة الى اخفاق حزب العدالة والتنمية في الحصول ولو على مجرد الغالبية المطلقة بما يؤهله لتأليف حكومة مستقرة من دون الحاجة الى الدخول في ائتلاف مع الاحزاب الاخرى. ومن هذا المنطلق تبدو الانتخابات المبكرة بمثابة مقامرة غير مأمونة العواقب قد تشكل هذه المرة النهاية الفعلية لحزب العدالة والتنمية بعدما شكلت انتخابات حزيران رسالة تحذير كشفت عن عدم رضا الناخبين الاتراك على سياسات اردوغان سواء في الداخل او في الخارج.
وعلى افتراض ان العدالة والتنمية لم يحصل على الغالبية المطلقة، فإن تساؤلات كثيرة ستثار حول استمرار شرعية بقاء اردوغان رئيسا اذا ما كان الاتراك سيرفضون في غضون خمسة اشهر للمرة الثانية الخيارات التي يقترحها عليهم. واذا كان اردوغان لا يريد ان يجعل من نفسه كبش فداء فشل سياسات حزب العدالة والتنمية، فهل ستتم التضحية برئيس الوزراء احمد داود اوغلو الذي يعتبر المهندس الرئيسي لسياسات الحزب والدولة منذ 2002 وحتى الان؟، فداود اوغلو هو صاحب نظرية مضي تركيا في خيار العداء للنظام في سوريا ودعم مجموعات المعارضة السورية من تكفيرية او غير تكفيرية حتى اسقاط الرئيس بشار الاسد. وهو صاحب مشروع دعم جماعة «الاخوان المسلمين» في مصر مما تسبب في تدهور العلاقات مع القاهرة الى مستويات لم تبلغها من قبل. كما انه صاحب مشروع التخلص من التيار المعارض الاكثر عقلانية داخل حزب العدالة والتنمية ممثلا بالرئيس السابق عبدالله غول. كما انه الداعي الى التخلص من زعيم مؤسسة «خدمة» فتح الله غولن الذي كان حليفا للحزب الحاكم حتى سنوات خلت والى ان اتهمه اردوغان بالخيانة وعمل على طرد اتباعه من الشرطة والقضاء. كما انه من الداعين الى قمع الحريات الداخلية وفي مقدمتها التضييق على الصحافيين وسجنهم بتهم شتى. كما انه وراء تقليم اظافر المؤسسة العسكرية وسجن ضباط كبار بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم الديمقراطي والعودة الى الحكم العسكري. وأوغلو نفسه هو من اقنع اردوغان بأن تركيا يجب ان تعود الى الشرق الذي اقتلعت منه قبل مئة سنة من خلال احياء المشاريع الطورانية واحلام استعادة امجاد اجدادهم العثمانيين، ولم تكن زيارة اوغلو لضريح سليمان شاه على مسافة مئات الامتار داخل الاراضي السورية قبل اشهر، سوى رمز الى ما يعتمل في رأس الرجل من طموحات توسعية، تجد في «المناطق الآمنة» المفترضة داخل سوريا تجسيدا للعودة بالتاريخ الى الوراء.
لا جدال بأن اوغلو هو المسؤول عن رسم سياسات اردوغان، وهو يتقن لعبة «الرجل الثاني» لأنه يفتقد الى الكاريزما التي تؤهله ليكون الرجل الاول. لكن الفشل في الانتخابات هذه المرة، لن يستطيع لا اردوغان ولا داود اوغلو تبريره. ولأن الرجلين يدركان عواقب الخسارة هذه المرة، فانهما يخوضان الانتخابات وسط حرب على «حزب العمال الكردستاني» انتقاما من حزب الشعوب الديمقراطي بزعامة صلاح الدين دميرطاش، الذي بفوزه الكاسح حرم حزب العدالة والتنمية من اصوات الكرد الاتراك التي تذهب منذ 2002 لمصلحة العدالة والتنمية. وفي ظل الحرب على «حزب العمال الكردستاني»، تبدو علاقة اردوغان بأميركا اوثق منذ ان قرر اردوغان فتح قاعدة انجيرليك التركية امام مقاتلات الائتلاف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» الارهابي بعد طول تردد وحسابات تركية من جدوى الدخول في الحرب ضد التنظيم الارهابي قبل ان ينجز الاخير مهمة اسقاط الاسد. كل ذلك يمنح املا بتوفير مناخ افضل يساعد اردوغان على الامساك بالزمام مجددا. لكن لا شيء يوحي بأن عقارب الساعة يمكن ان تعود الى الوراء. ولذلك يبدو اردوغان كأنه يريد كل شيء او لا شيء.