الأجندات الخفية

ناظم محمد العبيدي
يمكن لأي مراقب يحسن قراءة المعطيات أن يتنبأ بما ستؤول اليه الأوضاع في العراق والمنطقة، فليس من شأن السياسة ان تكون صريحة وبخاصة تلك التي تتعلق بأهداف غير مشروعة، أو التي تتعارض مع مصلحة الملايين من الناس، هذا ما نستشفه من تصريحات المسؤولين الأميركان وغيرهم، فهل ثمة أجندة غير معلنة تتعلق بالتقسيم تنتظر الفرصة لتكون واقعاً على الأرض؟. 
وبحساب المواقف ومجريات الأمور طيلة السنوات الماضية بوسعنا ان نلوم الكثير من السياسيين الذين فشلوا في صنع موقف سياسي عراقي متقارب لا يدع للدول الأخرى مجالاً للتدخل بشكل سافر، بل إنهم لم يبذلوا جهداً حقيقياً لإشاعة روح الثقة فيما بينهم، وهذا ما جعل السياسة العراقية تعاني من الارتباك ولا نغالي اذا قلنا انها اعطت رسائل سلبية لمن يريد التدخل في الشأن العراقي،  والأمر المحير في هكذا أداء سياسي أنه يتعارض مع ما تريده غالبية العراقيين وتباركه المرجعيات عندنا، فلا خلاف على أن الجميع كان ولا يزال يريد الأمن والازدهار لهذا البلد، فما الذي كان ينقص سياسيونا لبلوغ هذا الهدف الذي يبدو بديهياً؟.
 الجميع يتحدث عن ازمة ثقة بين الأطراف المشتركة في العملية السياسية، وكأن الجميع بعد 2003 مع اشتراكهم في معارضة النظام السابق قد دخلوا في حلبة صراع وليس ادارة بلد، وعوضاً عن التقارب اغلقوا نافذة الحوار الحقيقي وانفتحوا على دول الخارج في تناقض غريب، فمتى كانت سياسات الدول تبنى على نبذ الشركاء والإتكال على قوى الخارج؟. 
ان المسؤولية التي تحملتها الأحزاب الموجودة في السلطة اليوم تحتم عليها مواجهة تحديات كبيرة، ليس فقط على صعيد الإصلاح الذي غدا مطلباً جماهيرياً، بل الانتباه لما هو أخطر من ذلك بكثير، فقد اصبحنا نسمع تصريحات عن تقسيم البلد على أساس طائفي، واذا كانت هذه الطائفية التي جرى استغلالها سياسياً من اجل منافع حزبية وشخصية قد نفعت البعض في المرحلة السابقة، فانها اليوم صدع خطير يهدد وحدة هذا البلد ومستقبل جميع مكوناته.
التحول الذي يدعو الى القلق على العملية السياسية والديمقراطية في العراق اليوم هو تلك الإشارات الصريحة الى دولة (داعش)، وكأن داعش دولة يراد منا الإعتراف بها، هذه الجريمة السياسية – ولا نجد من تسمية مناسبة لها غير ذلك – تحتم على الجميع ان ينظروا بجدية الى ما ينتظر العراق والمنطقة من مصير قاتم يبعث على الحزن. لم تعد المشكلة العراقية محصورة في تقاسم مناصب وامتيازات،  انها بوصف مختزل صراع مصيري بين اقامة دولة على اساس ديمقراطي او الاستسلام لقوى التطرف والإرهاب العالمي، هذه القوى التي وجدت في ضعف الدولة وانعدام الثقة بين السياسيين فرصتها لتمارس اسوأ ما يمكن تصوره من جرائم وهمجية، فهل تمتلك القوى السياسية الوعي والإرادة لتلافي تلك الأخطاء من أجل التصدي لمشاريع خارجية تتخذ من الطائفية ذريعة لتقسيم البلد وتحويله الى مستوطنات للإرهاب والأزمات التي بلا نهاية؟. 
لا نعرف حقيقة مدى جدية الكثير من السياسيين في مواجهة هذه اللحظة التاريخية التي تحركها اجندات خفية يراد تمريرها، لأننا بصدق لم نشهد اداء يبعث على الأمل طيلة السنوات الماضية!.