الهجرة ليست جديدة علينا

زهير كاظم عبود 
فكر العرب قبل الإسلام بالهجرة من بلادهم بسبب الاضطهاد القومي أو الديني أو السياسي او الاقتصادي  من حكامهم وسلطاتهم، فحين ضاق جنوب الجزيرة العربية بسكانه بعد انهيار سد مأرب وبعد الزحف الصحراوي على المناطق الزراعية والرعوية الذي جعل الحياة تشوبها صعوبات جمة على الناس والأنعام مما أضطر الناس إلى البحث عن بديل أفضل،  فانتشروا عبر مدن غنية تتوفر فيها الأعمال والأمان، فكانت هجرة عرب اليمن والجزيرة باتجاه مدن الشام وما حولها، وبقيت أعداد كبيرة منهم تعمل وتتاجر وتضمن الأمان بالرغم من اختلاف الدين.  
ولعل تلك الظاهرة تجسدت في لجوء العرب المسلمين إلى حاكم الحبشة للتخلص من جور وظلم ذوي القربى، ولم يفكر احد من اللاجئين بأن يلجأ إلى دولة عربية مجاورة، وعندما رأى الرسول اضطهاد أصحابه، ولم يستطع أن يوفر لهم الحماية، سمح لهم بالهجرة إلى الحبشة، لأن فيها حاكما نصرانيا هو النجاشي لا يظلم عنده أحد، وكان عدد المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية 83 شخصا من  كبار صحابة الرسول. 
وقد أرسل كفار قريش بعثة إلى نجاشي الحبشة، تحمل الهدايا الثمينة لرشوته ورشوة حاشيته، كي يتخلى عنهم ويسلمهم لقريش، فألقى جعفر بن أبي طالب خطبة أمام النجاشي نيابة عن المهاجرين، شرح له من خلالها أسس دين الإسلام واختلافه عن الجاهلية، فأقنع النجاشي بكلامه وبمدى التقارب بين الإسلام والنصرانية التي يعتنقها النجاشي. وهكذا فشل كفار قريش في مسعاهم، لإعادة المهاجرين إلى مكة. 
ونلاحظ هنا أن اللجوء كان إلى رجل من غير ديانتهم، اطمئنوا إلى عدالته وإنصافه،  وفعلا انه آواهم وأحسن أقامتهم ووفر لهم الحماية، ولك أن تتصور الأمر معكوسا!!. 
وفي الوقت الحالي نرى ان الدول العربية أو الإسلامية سترفض قطعا أن يطأ احد أرضها من العرب قبل أن يستحصل على سمة دخول بشروط معقدة للغاية، وبعكس ذلك نرى أنها تستخدم كل الأساليب التعسفية وتقوم بتسليم المواطن إلى بلده الأصلي مهما كانت العقوبة والنتائج ومهما كانت تبرير المواطن وقضيته.  
خلال الفترة الماضية هاجرت أعداد كبيرة من العرب والمسلمين الى بلاد الغرب، ولجأت تخلصا لا من ظلم وبطش حكوماتها فقط وإنما بسبب الظروف الاقتصادية أيضا، واللافت للنظر أن هذه الأعداد من المهاجرين وعلى اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وقومياتهم، لم يفكروا في أن يلجؤوا الى دولة عربية أو مسلمة. 
ففي نهاية القرن الثامن عشر بدأت هجرة اللبنانيين والسوريين إلى بلاد أميركا الجنوبية، حيث كان العامل الاقتصادي هو السبب الرئيس، وحين عمل المهاجرون في تلك البلاد لم ينقطعوا عن بلادهم، وتحملوا المشاق في سبيل تحقيق مكاسب ومكانة في تلك المجتمعات، ولم يعد منهم الا النفر القليل، فقد وفرت لهم تلك البيئة ما كانوا يفتقدونه في وطنهم الأول. 
ولعل الشعب الكردي يجسد مثالا قريبا في الهجرة واللجوء الى بلدان تحترم آدمية الإنسان تخلصا من بطش وظلم الأنظمة ، ومن قنابل جيوشها الكيمياوية  ومن مجازرها المرعبة، فلجؤوا الى دول أوروبا التي منحتهم الأمن والأمان والكرامة. 
أحتل موضوع اللجوء حيزا كبيرا من الاهتمام بسبب تزايد طلبات اللجوء من العرب، ورحيل الطاقات والكفاءات العربية، يرافق ذلك عدم وجود اهتمام أو دراسة حول تفاقم هذه الظاهرة من البلدان الطاردة، بسبب عدم استقرارها السياسي وافتقارها لاحترام مبادئ حقوق الإنسان، بالإضافة الى تفاقم النزاعات الدينية والمذهبية والقومية والعرقية فيها، وما زاد الأمر تفاقما هو نشوب حروب أهلية ضمن هذه المناطق مما يدفع اضطرارا كتلا بشرية كبيرة لترك وطنها وبيوتها واللجوء الى دول توفر لهم الكرامة والعيش الكريم والأمان وتمنحهم جنسيتها، ولهذا نصت المادة (14) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي: (لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد..  ويعني الاضطهاد تجاوز الحدّ في السُّلطة ومعاملة قهريّة تعسُّفيَّة، وانتهاك المبادئ الدستوريَّة وخاصَّة ما كان متعلِّقًا بحماية حقوق الإنسان، ويعني أيضا بأنه حرمان جماعة من السكان أو مجموع السكان حرماناً متعمداً وشديداً من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي). 
إن هناك اختلافا كبيرا في النظرة الى الواقع والتعامل والأعراف والتقاليد بين المجتمعات الغربية وأفواج المهاجرين العرب والمسلمين وغير المسلمين، ولم تزل أعداد ليست بالقليلة تحمل معها غلوها وعنصريتها وأمراضها الاجتماعية معها، ولهذا تجد أن هناك من ينظر للمهاجرين بعين الشك والقلق لصعوبة الاندماج  وإصرار المهاجر على نقل تقاليده وأعرافه حتى المتخلفة منها الى هذه الدول ومحاولة فرضها عليهم. 
إن جميع الأنظمة العربية دون استثناء تعيش مشكلة القصور في ثقافة حقوق الإنسان، وبالتالي فإنها من خلال تمسكها بالسلطة تستخدم الأساليب الإرهابية لمحاربة المعارضين والمختلفين معها، بالإضافة الى بروز ظاهرة التطرف الديني بكل أشكاله والمنتشر في عدد من هذه البلدان، وقد ولدت هذه الظاهرة وليدا مشوها في مسح عقول الشباب والسيطرة على عقولهم باعتماد ثقافة الانتحار لقتل الآخر، وهذه الظاهرة تعتبر من بين أبشع الجرائم الإنسانية.
 وقد كبرت وانتشرت هذه الظاهرة وتجسدت في أفغانستان والعراق وسوريا وبعض البلدان المبتلية بهذه الثقافة ، والتي لم تجد لها مواجهة وتحليلا وثقافة مضادة لتنوير وإنقاذ عقول الشباب من ظاهرة الإرهاب الديني أو الطائفي. 
 إن افتقاد الأمان وعدم توفر فرص العمل والتردي الاقتصادي والهيمنة التسلطية للسلطات والحكام بين ابرز الأسباب التي تدفع بالمواطن العربي والمسلم الى مغادرة بلاده واللجوء الى الدول الغربية التي وفرت له ما يفتقده في بلاده. 
جرب العراقيون الذين فروا من بطش صدام أن يلجؤوا إلى السعودية فحشرتهم في رمال الصحراء ضمن مخيمات محاطة بالأسلاك الشائكة ، وعرضتهم على دول الغرب التي فتحت صدورها لهم، بعد معاناة من العيش وسط صحراء قاحلة لسنوات تحملوا فيها الطبيعة القاحلة والظلم العربي والتهديد بالموت من سلطاتهم التي كانت تراقبهم، وجرب آخرون اللجوء إلى إيران فوضعتهم في مخيمات وجردتهم من وثائقهم الرسمية ومنعتهم من العمل والزواج والسفر.
 لا نعتقد بأن حكومة عربية واحدة اليوم تقبل بان يلجأ اليها عربي مهما كانت الأسباب، وحدها كانت سوريا على مدى الزمن الحديث تفتح صدرها إلى العرب الذين نكلوا بأهلها وأغلقوا أبوابهم وأحجموا عن مد يد المساعدة وتناسوا كل كرمها وطيبتها، بل ساهمت حكومات عربية في إدامة فتيل الحرب والدمار والقتل والابادة لأهلها، إلا إنها فتحت ذراعيها لكل الإرهابيين طمعا في إسقاط سلطة الجار فارتد الوابل عليهم ليمطرهم حجرا من سجيل فيحترق الأخضر واليابس. 
الهجرة تعني البحث عن وطن بديل وسلام وأمان للحياة يفتقدها الإنسان فيبحث عن وطن يأويه ويوفر له الكرامة، وقد لمسنا أن دول الغرب تحترم آدمية الإنسان وتحمي حقوقه الدستورية مهما كان دينه أو شكله أو قوميته، في حين نفتقد تلك الأسس في بلادنا، ونجد أن موجات الهجرة تتزامن مع اشتداد قساوة ظلم الحكام والقابضين على السلطة، ومع هجير الحروب والأزمات الاقتصادية، ومثل هذه الامور لا تمر بها إلا بلادنا العربية المنكوبة بحكامها وسلطاتها.  
لم تزل مشاكل الاستبداد والظلم والتمييز والفساد تنخر منظوماتنا السياسية، ولم تزل الكراهية والأحقاد من قيم مجتمعاتنا، ولم تزل حرية الفكر والعقيدة تتم ممارستها بحذر وبخوف، ولم تزل نزاعاتنا التي مضى عليها ألف وخمسمائة سنة حاضرة بيننا، لذا فان مجتمعاتنا ستستمر بالهجرة الى بلدان تتمسك اليوم بحقوق الإنسان وبالكرامة، ولا مجال فيها للتمايز بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو المذهب أو العقيدة.