عماد الامارة
صاغت روسيا الاتحادية عقيدتها العسكرية بما يتواءم مع طبيعة مصادر التهديد والاعداء القائمين والمحتملين. في السابق ولعقود عديدة من القرن العشرين كانت اوضاع المجابهة بين قوتين عظميين هما اميركا والاتحاد السوفيتي السابق بعقيدته العسكرية المتشددة والتي صاغ افتراضها على اساس ان الحرب اذا ما وقعت بين المعسكر الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفيتي السابق والدول الرأسمالية وفي طليعتها الولايات المتحدة الاميركية فإنها لا تسمح الا ان تكون حرباً نووية محدودة وفق رؤى قادة السوفيت. وهذه الحرب النووية اذا ما وقعت فإنه يصعب فيها ضبط التصعيد المتدرج لمسرح العمليات العسكرية. من جهته يرى الجانب الآخر الغربي ان الحرب اذا ما وقعت فإنها ستكون ايضاً حربا محدودة ولكن ليس بأسلحة نووية بل بأسلحة تقليدية او الاحتمال الاقل حدوثاً انها ستكون حربا نووية تكتيكية.
وتأتي رؤية الغرب الستراتيجية هذه من مفاهيم تقول انه (ليست هناك ضمانات قوية يمكن الاعتماد عليها اذا ما وقعت الحرب بين الطرفين لضبط آلية التصعيد او الحيلولة دون الوصول الى تبادل الضرب بالأسلحة النووية الستراتيجية). هذه المفاهيم الستراتيجية تغيرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث تنامى بعد ذلك الادراك العقلاني للخطورة الناجمة عن استخدام الاسلحة النووية, بل وصل الامر الى عدم التفكير بإمكانية التهديد بها. عندها ظهرت دولة روسيا الاتحادية كبديل قوي للاتحاد السوفيتي السابق ولكن برؤى ستراتيجية وعقيدة عسكرية تختلف. هنا نقول ان روسيا لا تزال تمتلك كما هائلا من الاسلحة النووية مع وسائل اطلاق وايصال صواريخ ذات كفاءة عالية, لكن قادة روسيا الجديدة يعتقدون ان باعث استخدام هذه الاسلحة او حتى التهديد بها هو امر محدود او محكوم بجدول الاولويات, ويأتي في مقدمتها تعرض سلامة الاراضي الروسية لاخطار جدية وأكيدة.
القيادة العسكرية الروسية تبنت (بناء فكر عسكري سوقي تعبوي قادر على استيعاب ما افرزته الثورة التكنومعلوماتية في المجال العسكري). من هنا جاء بناء القوة العسكرية الروسية لكي تتواءم مع العصر التكنومعلوماتي, وبذلك تمتعت قدرات الجيش الروسي القتالية بجاهزية وقدرة عالية على المجابهة ومواجهة مختلف التحديات سواء بالأسلحة التقليدية او النووية التكتيكية, وامنت قيادات الجيش الروسي بناء منظومة قيادة وسيطرة قادرة على ادارة الحروب وحتى الالكترونية منها. وفي مقارنة لأسلحة روسيا الاتحادية اليوم فاننا نجد التفوق النوعي ظاهرا في منظومة الاسلحة الجوية والصاروخية وبما يؤمن النصر الحاسم في اية حرب تخوضها روسيا الاتحادية.
ركزت العقيدة العسكرية الروسية في بناء قواتها المسلحة وخصوصاً منظومة الاسلحة الستراتيجية من اجل تحقيق غرضين، الاول القدرة على تحقيق رد عسكري فاعل يؤمن سلامة المصالح الحيوية والستراتيجية للدولة الروسية. واذا ما فشلت سياسة الردع التي تتبناها روسيا في بادئ الامر من تحقيق مبتغاها، فان الردع سيتحول الى عقاب وهذا يتم باستخدام القوة العسكرية وبشقيها التقليدي او النووي اذا دعت الدوافع الستراتيجية لذلك, واستخدام شقي هذه الاسلحة في تقدير قادة الروس يوجب ضمانات واقية وأكيدة لتحقيق النصر. اما الغرض الثاني فيأتي من رؤى ستراتيجية مفادها ان الروس لديهم شكوك عالية بطبيعة مضمون الستراتيجية الاميركية، ويرون انها ستراتيجية لا تزال محكومة بطابع هجومي ويعتقدون ان الولايات المتحدة تسعى الى مشروع هيمنة واسع. لذلك نجد ان قادة روسيا الاتحادية يرون ان تغييرات ما يسمى بالربيع العربي ما هي الا ترتيبات هدفها تفكيك بعض الدول باسم الديمقراطية مع استعمال قوى الارهاب في تلك المناطق. وهذا ما حصل فعلاً في ليبيا, وما تعيشه سوريا اليوم من صراع مع قوى الارهاب ممثلة بداعش وجبهة النصرة ما هو إلا تأكيد لذلك. من هنا جاء تدخل روسيا الاتحادية بقوتها الجوية الضاربة وبطلعات مركزة وفاعلة على قوى الارهاب ممثلة بداعش وغيرها من التنظيمات التكفيرية.
اليوم اعادت روسيا الاتحادية ستراتيجية التوازن الى وضعها الطبيعي امام جبروت الولايات المتحدة الاميركية وانفرادها, ولا شك ان هذه الستراتيجية الروسية ليست تصارعية عدائية بقدر كونها دفاعاً عن مصالح حيوية بات الارهاب يهددها.