حديث الهجرة

جمال جاسم أمين 
ما يجري اليوم من تداولات يصلح ان نطلق عليه (حديث الهجرة)، باعتبار شيوعه وأهمية هذا الحديث على المستوى العام، المقصود هنا موجة الهجرة التي نسمع عنها ونتداول اخبارها وللعراقيين حصة واضحة فيها، حصة في مخاطرها وفداحة آثارها الوطنية التي قد لا تظهر في القريب العاجل، هي تضحية من نوع ما بالرصيد الوطني، البشري هذه 
المرة خاصة وان اغلب المهاجرين هم من قطاع الشباب.
بالطبع ينبغي ان نلتفت قليلا لتاريخ الهجرات العراقية بدءا من اربعينيات القرن الماضي وهو الموضوع الذي سبق ان فصلناه في اكثر من مقال، هجرات في اغلبها كانت بدافع ضغوط سياسية تمارسها السلطات اما ضد خصم ايديولوجي او شريحة اجتماعية لا تجد لها تمثيلا كافيا في الحياة العامة كالاقليات مثلا التي ظلت تعاني تهميشا فادحا على مستوى السياسة والمجتمع.
 الاقسى على هذا الصعيد هو التهميش الاجتماعي الناتج عن نوع النظام السائد، ما يرتب طريقة ما لانتاج القوة والاستحواذ الذي يخلق شعورا بالغبن عند البعض، الامر الذي يعني ان الخزان البشري العراقي يتعرض للإفراغ بين فترة واخرى وربما بين عقد وآخر، ويمكن حساب هذه الهجرة العقدية بدءا من سبعينيات القرن الماضي، ففي السبعينيات حصل النبذ السياسي لكل مثقفي اليسار مثلا، ما اضطرهم للهجرة، وفي الثمانينيات كانت الحرب مبررا لهجرة قسرية جديدة.
 وما ان حل عقد التسعينيات حتى دفع الحصار الاقتصادي شرائح من الناس والشباب من بينهم الى الهجرة بحثا عن الرزق، ولم تنته الدورة الا لتتصل بدافع جديد لهجرة من نوع آخر، ما بعد 2003 وبسبب فقدان الامن تمدد التهجير والهجرة معا، وها نحن بعد أكثر من عقد نقف امام نوع جديد من الدوافع – الإحباط هذه المرة والشعور ببطء الحلول المرتجاة ، البطالة و الكساد –  ونجد أن الاسباب تتداخل بين الدافع السياسي والاقتصادي والاجتماعي هذه المرة. البعض يتحدث عن فقدان الامن بسبب الاوضاع السياسية الجارية وما يرافقها من تهديدات ارهابية تطال الدولة والمواطن، وهي  مشكلة يصعب التكهن بنوع حلها والزمن المستغرق لهذا الحل، بينما يتحدث آخرون عن الاسباب الاجتماعية ذاتها التي دفعت عددا من ابناء الاقليات في فترات سابقة الى الهجرة، هذا الدافع يجد اليوم ما يبرره اكثر في ظل مظاهر فوضى تهدد الجميع، غير ان ثقل هذه المظاهر تتحسسه بعض الشرائح اكثر من غيرها، فالايزيديون مثلا عانوا ظروفا قاسية بحكم هويتهم الدينية اكثر من غيرهم وبسبب جغرافيا وجودهم التي سيطرت عليها الجماعات التكفيرية فدفعت هذه الطائفة ثمن وجودها هناك، والامر ذاته ينطبق على المسيحيين ايضا، ما يعني ان مبررات الامس تعود اقوى بفعل الارهاب الذي يطال هذه الشرائح بدرجة اقسى علما ان الارهاب يطال الجميع. هناك من يضع العامل الاقتصادي ضمن العوامل الدافعة نحو الهجرة وخاصة بين قطاعات الشباب التي تعاني البطالة وما زاد الطين بلة كما يقال اجراءات التقشف التي لجأت اليها الحكومة بسبب الازمة المالية الخانقة وتوقف اطلاق الدرجات الوظيفية في عموم مؤسسات الدولة،
 الامر الذي ترك هامشا عريضا من البطالة وعددا لا يمكن اغفاله من الخريجين وغير الخريجين العاطلين عن العمل، وترافق هذا كله زيادة ملحوظة في الاسعار وشحة في الكسب! هذا العامل (الاقتصادي) يحتاج الى مداولة بعض الشيء، هل فعلا توجد ندرة في فرص العمل ام ان هناك خللا ما في ثقافة العمل لدينا؟ اقصد الركون للعمل الجاهز كالوظيفة العامة مثلا وعدم تطوير المشاريع الخاصة حتى لو كانت صغيرة. ما يلاحظ ان اغلب المهاجرين سيمارسون اعمالا في بلدان الهجرة ما كانوا يقبلون بممارستها في بلدهم الاصلي! ما يعني ان ثقافة العمل لدينا بحاجة الى اعادة توصيف كي لا تنهض مبررا بهذا الحجم، بالتأكيد هناك من يغريه التهويل على هذا الصعيد، اقصد الحديث عن ندرة الفرص المتاحة للعمل في العراق. 
هذا الكشف يتوخى بحث حديث الهجرة للتمعن في مبرراتها التي تأخذ صورا شتى كما يطرح ضرورة بحث الاصلاح كي لا يتحول الإشكال الى مشكلة، فقد تحولت الهجرة من مشروع فردي الى ظاهرة وهو الامر الذي يهدد قوة العمل في البلد كما يستهدف قطاع الشباب بالدرجة الاساس وهو القطاع الاهم على صعيد الرصيد الوطني من الطاقة الفعالة والمنتجة، هذه الطاقة التي تحرص الدول عموما على عدم التفريط بها.
حديث الهجرة اذن هو حديث البحث عن المبررات بقصد ايقاف النزيف وتقليل الضرر في ظرف حرج كالذي يعيشه العراق اليوم.