هيفاء بيطار
لم يعد بالإمكان تجاهل تلك الظاهرة التي لم أجد تسمية أدق لها سوى ظاهرة الانفصال عن الواقع والإدمان على عالم افتراضي تقدمه بإغراء شديد أجهزة الموبايل المتطورة وكذلك أجهزة الآيباد وغيرها. فالعالم الافتراضي أصبح أقوى بما لا يُقاس من الواقع الآخذ في الانكماش والتضاؤل والأهم التأثير الإيجابي في الناس. وقبل أن نغوص في ظاهرة العالم الافتراضي يكفي أن ننتبه كيف صار شكل حياتنا وممارساتنا بشكل عام، فما إن يدخل شخص (شاب أو فتاه أو حتى رجل أو امرأة) مقهى أو يدخلون لزيارة أحد الأصحاب حتى يبادروا -وربما قبل أن يقولوا كلمة مرحبا- إلى السؤال عن كلمة السر (الباسوورد) ليتمكنوا من تشغيل الإنترنت، وليتابعوا ما يتابعون وليكتبوا ما يريدون وكأن عالمهم الحقيقي الذي يستحوذ على جل اهتمامهم هو هذا الجهاز بين أيديهم، وهؤلاء البشر حولهم والذين قصدوا زيارتهم هم في الحقيقة مهمشون ولا يولونهم أيّ اهتمام، حتى يضطر أحيانا أصحاب البيت أن يلمحوا لهم بأنهم هنا أي اتركوا لدقائق جهاز الموبايل بما يقدمه من إغراءات أصبحت هي من يتحكم بأصحابها وأصبحت في الحقيقة هي الواقع الفعلي لهم والواقع سراب. بمعنى أدق تبادل الواقع المعيشي والواقع الافتراضي الأدوار وصار الواقع الافتراضي هو الأقوى والمتحكم باهتمامات الناس ويصادر عقولهم. طبعا لا يجوز التعميم، لكنني أحد الذين يعتبرون هذه الظاهرة خطيرة لأنها تعزل الإنسان عن جوهره أي عن كونه كائنا اجتماعيا من المفروض أن يجد التفهم والعزاء والمحبة لدى ناس حوله -أصدقاء، معارف، جيران- ولا أن يفتش عن المشاعر الإنسانية والتسلية وإشباع عواطفه وغرائزه عن طريق آلة مهما كانت هذه الآلة ذكية، بل أنا واحدة من ملايين حضروا برامج وقرأوا كتبا ومقالات تنبه لخطورة التعلق بالأجهزة الإلكترونية وكيف تصادر هذه الأجهزة الشخصية وتعزل الإنسان عن محيطه. والغريب أن بعض الشخصيات الافتراضية تحولت إلى نجوم حقيقية تقدم برامج تلفزيونية تحصد ملايين المشاهدات مثل الأبله فريدة في إحدى القنوات المصرية، حيث تحولت الشخصية الكرتونية الافتراضية إلى شخصية واقعية تنافس عماد الدين أديب وباسم يوسف وأصبح لها برنامج وجمهور. أحاول دوما أن أنظر لكل موضوع نظرة شمولية وأبحث ولو بمشقة عن بعض إيجابياته، لكن في الحقيقة لم أستطع أن أقبل أبدا أن شخصية كرتونية تنافس الإنسان، والأخطر أن يتعلق بها الكثير من المشاهدين والمتابعين بل وتصبح مثلهم الأعلى ويقلدونها! إنهم بالنتيجة يقلدون وهما شخصية مُختلقة وليست واقعية، وهذا ما يعزلهم عن محيطهم حيث أصبح كل فرد من أفراد الأسرة يضع في حضنه جهاز الآيباد ويتابع ما يريد وتقلص الحديث الحقيقي -حديث روح لروح وفكر لفكر وقلب لقلب- بين أفراد الأسرة وبين الأصدقاء أيضا، وكم أشعر بالغيظ والتقليل من الاحترام حين أجد أحد ضيوفي لاهيا وغير مبال بم نتحدث به فيما هو مستغرق ومستلب كليا لجهاز الموبايل في حضنه. الحوار بين البشر لا يعادله حوار ولا لقاء، مهما كان الجهاز مُبتكرا وشيقا. والخطورة الأكبر هي في التعلق المرضي للمراهقين بهذه الأجهزة التي تحتوي أعدادا لا نهائية من الشخصيات الكرتونية وتقدم عوالم افتراضية شيقة ومُغرية بحيث يستطيع المراهق والمراهقة أن يستغني عن صداقاته وعن أقرانه وأن يكفّ عن اللعب معهم والتحدث إليهم، لا شيء في العالم يوازي ويعادل العلاقات الإنسانية، الصداقة الحقيقية، والرأي الحر الذي لا يتمتع به إلا الإنسان. الأمر أشبه بسلاح ذو حدين فبدل أن يتحكم الإنسان بالآلة أصبحت الآلة من تتحكم به وتوجه اهتماماته وذوقه وسلوكه. وأصبحت تجعله يتخلى شيئا فشيئا عن أرقى علاقة إنسانية وهي الصداقة والمحبّة بين البشر. فمن يعيد للإنسان صفة السيد والمتحكم بالآلة. الآلة التي قلبت الواقع فجعلت الواقع الافتراضي ينافس الواقع الحقيقي بل ويجعل الواقع الحقيقي ضبابيا وافتراضيا ومقصيا.