علي حسن الفواز
الرهانات على الحرب في تغيير معادلات السياسة لم تعد مُجدية، وفاقدة لفاعليتها في تحقيق أهداف ستراتيجية لدول هذه الحرب، إذ كثيرا ما تصطدم الحسابات السياسية للدول الكبرى مع طموحات ومغامرات الدول الصغيرة في المنطقة، والتي تضع أوهامها كرهان علني لصناعة مواقف وخنادق كثيرا ما تتهاوى أمام متغيرات المصالح.
الحروب في سوريا والعراق واليمن تحولت الى فخاخ سياسية، ووضعت العديد من الدول الأشد حماسا لفكرة الحرب أمام حرج كبير، وأمام خوف من تداعيات التحول في معطيات تلك الحرب، وأمام تحوّل براغماتي في الحسابات الاميركية، فالحماية الاميركية الكاملة لهذه الدول لم تعد قائمة بالمعنى الستراتيجي، وبات معطى السياسة الاميركية خاضعا لتكتيكات قد تعني التخلي عن بعض المواقف هنا أوهناك، أو البحث عن حلفاء آخرين أقل ضررا، ورغم كل التعقيدات التي قد تكتنف مثل هذه الخيارات، إلا أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين لهم حساباتهم أيضا، لا سيما بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع دول (5+1) وما فتحه من أفق لتسويات سياسية في المنطقة، وكذلك التدخل الروسي في الحرب السورية ضد الارهاب وما حققه من منعطفات خطيرة في الميدان، فضلا عن فشل الكثير من هذه الدول العربية والاقليمية في التعاطي مع أزمات المنطقة، ومع الجماعات الارهابية ذاتها، ولعل فشل مؤتمر جنيف3 وانسحاب جماعات المعارضة المحسوبة على الرياض من المفاوضات إلاّ دليل على ذلك.
أميركا لا تراهن على الخسارات
في الحسابات السياسية من الصعب الرهان على الجماعة الخاسرة، وهو ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة الاميركية الآن، إذ تسعى الى اقتراح واقع جديد، يقوم على فكرة صناعة أقوياء جدد في المنطقة، لا تتقاطع مصالحهم مع الولايات المتحدة، مثلما يملكون تصورا واقعيا وعقلانيا على احتواء أزمات الصراعات والحروب الأهلية، وبما يعزز التصورات الجديدة القائمة على توسيع خارطة المصالح، وبعيدا عن التورط في حروب طائفية، أو صراعات لا أفق للمتورطين فيها، وهو ما تتبدى مظاهره بشكل واضح في المنطقة، فامتناع الولايات المتحدة عن المشاركة في أي عمل عسكري مباشر في سوريا هو دليل على هذه الرؤية الجديدة، وربما التنسيق السري مع روسيا حول توزيع الأدوار والمصالح يضع حسابات الدول الصغيرة في خانق ضيق، وأمام خيارات محدودة جدا، والتي أهمها تبني خطاب الحوار السياسي، وتغليب المصالح على أوهام الحرب، وغرائز السطوة والسيطرة وفرض فكرة الغلبة على الآخرين. سياسة التعديل التاريخي تحولت اليوم الى واقع، وهذه السياسة تجاوزت ما تكرس من سياسات أميركية سابقة تبناها العديد من الرؤساء الاميركان الأسبقين، إذ لم تعد الوقائع المعاصرة تشفع لمثل تلك الخيارات، فضلا عن أن صراعات الحرب الباردة لم تعد قائمة بمعناها التقليدي، وأن الحديث عن الصراع الاميركي الروسي لا يعدو إلاّ أن يكون توزيعا لأدوار معينة، مقابل توافقات معروفة على ملفات أخرى أكثر تعقيدا، مثلما أن السياسات الأميركية الجديدة أضحت أكثر اقترابا من فكرة المعالجة الدبلوماسية للصراعات، أو اعتماد الضغط الاقتصادي، بوصفه الأكثر ضررا للخصوم بعيدا عن رهانات الحرب والتجييش، وهو ما كان واضحا في سياسات الرئيس الأميركي الحالي أوباما، وما أضحى اليوم جزءا من الحملات الانتخابية للعديد من مرشحي الرئاسة الاميركية الجديدة، والذين يراهنون على سياسة النأي بالنفس عن حروب الآخرين وصراعاتهم، وتفضيل الدفاع عن المصالح القومية الأميركية بطرق أكثر واقعية وبأقل الخسائر.
الشرق الأوسط وحسابات السوق
وسط الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم، وبدول المنطقة بشكل خاص، ثمة الكثير من التحولات الجديدة، إذ كثيرا ما تنعكس هذه الأزمات على السياسة، وعلى العلاقات الدولية، فضلا عن أن الضغط الكبير الذي تعيشه العديد من دول أوروبا جرّاء تفاقم أزمة المهاجرين، وأزمات اللاجئين في دول الجوار، تحول الى موضوع إنساني مثير للجدل، وموضوع مادي يتطلب دعما مستمرا لم تعد تتحمله خزائن الدول الأوروبية ذاتها، لذا ستواجه خارطة المنطقة الجيوسياسية الكثير من المتغيرات، وربما الكثير من الصدمات، والتي تعني تغيرا في أفق العلاقات التقليدية بين الولايات المتحدة والعديد من دول المنطقة، بما فيها تركيا ودول الخليج، ولعل تصريح الرئيس التركي أردوغان وغضبه على لقاء وفد أميركي مع جماعات حماية الشعب الكردي في منطقة كوباني السورية يكشف عن هذه الحساسية، وعن التحولات في المزاج السياسي الأميركي، وحتى التصريحات الأميركية حول توسيع الحلف العسكري ضد داعش في سوريا، وامكانية القيام بعمل بري وافقت على المشاركة فيه السعودية والامارات، سيظل نوعا من المناورة، لأنه يعني الاصطدام بالقوة الروسية في سوريا، وبالتالي توسيع مساحة الحرب، وهو ما لا تطمئن اليه الولايات المتحدة ذاتها، أو ما تخطط له في المدى القريب.